أتابع بحسرة ما يجري في بلادي التي تركت فيها روحي، وإن بعدت عنها بجسدي؛ حيث تتبارى الأحزاب والقوى السياسية في التزلف لمن يطلق عليهم وصف "المعتصمون"، وتصدر بيانات قوية تصرُّ على القول بحقِّ المواطنين في التظاهر السلمي وحقهم في الاعتصام، وتشدد على رفض محاولة فضِّ هذا الاعتصام بالقوة.
ولم أقف في زحمة المقالات والمواقف المعلنة في الصحافة وفي وسائل الإعلام على من توقف عند الحكم الشرعي للاعتصام كوسيلة من وسائل التعبير عن موقف رافض لأمر من الأمور، مع أن من البديهيات عند المسلم أنه لا يخطو خطوة إلا إذا كان لها مستند شرعي، ولا يصح لمسلم أن يقدم على مباشرة عمل من الأعمال لمجرد أن الناس يعملونه أو أن الصحفيين يمدحونه، أو أنه ينال استحسان من يُعرفون بـ"النخبة السياسية"؛ بل المرجع في ذلك هو: ما موقف الشرع الحنيف من هذا العمل؟ وهل يقبله أم يرفضه؟ فإن أنكر الشرع تصرفًا تبرَّأ المسلم من فعله، ولو كانت الدنيا كلها تفعله، وإن أمر الشرع بأمر فلا يجوز لأحد أن يتقاعس عنه، أو يحرمه، ولو كانت الدنيا كلها تتحرك في عكس هذا الأمر.
وقد توجهت بالسؤال إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم الاعتصام، والإجابة يقدمها لنا حملة شرعه، ومبلغو كلامه، وبناءً على المنقول عنه صلى الله عليه وسلم نجزم أن هذا شيء لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقع في حياة أصحابه ولا تابعيهم، وإنما هو وسيلة استحدثها البشر في زماننا للتعبير عن رفض تصرف صادر عن السلطة الحاكمة، فينطبق عليها القواعد العامة في الشرع، وهي تقضي بأن الأصل في الاعتصام الإباحة بشروط معروفة لشرعية كل وسيلة من وسائل تغيير المنكر، وهي:
1- أن يكون الهدف من الاعتصام تغيير منكر مجمع عليه، أي لا خلاف على اعتباره منكرًا يجب تغييره بين العلماء، وعليه فلا يصح الاعتصام لإنكار أمر من الأمور الاجتهادية التي تحتمل أكثر من وجهة نظر بين العلماء؛ لأننا لو أجزنا ذلك لما استقرت الحياة، ولما انضبطت أبدًا، إذ إن الحاكم لن يستطيع أن يصدر قرارًا، أي قرار؛ لأن المسائل الاجتهادية يصعب الوصول فيها إلى قرار يرضي الخلائق جميعًا، ولو فتحنا الباب للاعتصام للاعتراض على قرار لا يوافق عليه بعض الناس، فمعنى هذا أننا لو أصدرنا القرار الآخر الذي يرضي هؤلاء المعتصمين، فسيقوم أناس آخرون كانوا يرون المصلحة في القرار الآخر بالاعتصام، وهكذا!، تظل الدولة المسلمة في حالة اضطراب لا تهدأ، وليس هناك عاقل يقبل هذا!!
وأخشى ما أخشاه أن يكون الاعتصام الحاصل هذه الأيام في التحرير وغيره لم يستوف هذا الشرط؛ لأنه وإن اتفق الناس على فكرة الحرص على تسليم السلطة لحكومة مدنية، وعدم القبول باستمرار الحكم العسكري، والضغط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة للوفاء بالتزاماته في هذا الشأن، إلا أن الكثيرين لا يوافقون على فكرة الاعتصام المتواصل هذه لما لها من أضرار ستتضح بين ثنايا هذا المقال بإذن الله تعالى.
2- ألا يؤدي إلى مفسدة أشد وأعظم من المفسدة التي قام المعتصمون لإنكارها، وهذا شرط بديهي؛ إذ كيف يستساغ النهي عن منكر مع علم الناهي بأن نهيه سيفضي إلى منكر أشد منه؟ وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يسكت عن الأمر بتحطيم الأصنام في الفترة المكية، ليس رضاء بها ولا إقرارًا لها، وإنما لأن القيام بذلك يعني تعريض أصحابه لأخطار قد لا يقدرون على مواجهتها.
3- أن يضبط المعتصمون اعتصامهم بما لا يضر بالدولة كلها، ولا بالأفراد الآخرين الذين لا يشاركونهم في الاعتصام، ومن هنا! لا يقبل أن يعطل الاعتصام حركة المرور في الشارع، ولا حركة الموظفين في أداء أعمالهم، ولا يضيق على خلق الله، وكثيرًا ما وضعت نفسي مكان المصريين الذين ابتلاهم الله تعالى بالإقامة قرب ميدان التحرير، أو في شارع محمد محمود أو في شارع قريب من مجلس الوزراء، وقلت: كيف يقضي هؤلاء حياتهم؟ وكيف يشعرون هم وأولادهم ومنهم الصغير والكبير والشيبة والمرأة والمريض والحامل؟ أليس من حقهم أن يستمتعوا بسكنهم وبيوتهم وحياتهم، أم أن هؤلاء مستبعدون من التفكير في شأنهم؟.
وأيضًا! كيف يرى المعتصمون الأثر المترتب على عدم تمكين رئيس مجلس وزراء مصر من الدخول إلى محل عمله بغضِّ النظر عن الموافقة عليه أو عدم الموافقة؟ كيف يرى العالم هذا التصرف؟ وما أثره على السياحة والاقتصاد وهيبة الدولة؟ هل تستطيع الدولة أن تقول للراغبين في زيارتها: نحن بلد آمن، فتفضلوا بالزيارة؟.
وأيضًا! كل اعتصام في العالم يجب أن يكون معروف المكان والأشخاص والهدف، وكثيرًا ما سألت نفسي: هل المعتصمون يعرفون بعضهم؟ بمعنى إذا دخل فيهم غريب عنهم لا يعرفونه يقومون بإخراجه من بينهم؟ أم أنهم يفتحون الباب لكلِّ من أراد أن يشاركهم المكان والصنيع؟ مع أن بلدًا فيها 85 مليون مواطن منهم الصالحون والطالحون، ومنهم تجار المخدرات، ومنهم الجواسيس والعملاء، ومنهم من لا يرقب في مصر أصلاً إلاًّ ولا ذمة، بل ومنهم من له أكثر من جنسية، فله أكثر من ولاء، ومنهم ومنهم، فلا يستقيم بناء على ذلك أن يسمح معتصم صاحب قضية عادلة لأحد أي أحد بالجلوس بجواره والمشاركة معه في مجالسه ومشاوراته إلا إذا كان يعرف أصله وفصله، حتى لا يندس بينهم من يريد سوءًا بهم وبقضيتهم، فإن عجز المعتصمون أصحاب القضية العادلة عن السيطرة والتحكم في الداخل معهم فعليهم فورًا أن يفضوا اعتصامهم في هذا المكان، ويتوجهوا إلى مكان يمكنهم فيه هذه السيطرة؛ حتى لا يكون الاعتصام السلمي الهادف لتغيير المنكر وسيلة إلى منكرات لا يرضاها كل صاحب ضمير حي.
ومن هنا! أتساءل بمرارة: مَن يتحمل تبعة وجريرة الدماء التي سالت من الشباب المسالم البريء الطاهر؟ ومن يتحمل تبعة التخريب الذي تم في المنشآت والمصالح الحكومية والعلمية؟.
سيقول إخواننا: السلطة الحاكمة هي التي تتحمل هذا وحدها، والحقيقة! أن هذا تعصب مقيت، وغض للطرف عن الحيثيات والضوابط التي ذكرناها للاعتصام، وهي ضوابط مستقاة من نصوص الشرع الشريف، وإذا لم نلتزم بضوابط الشرع في اعتصامنا، واستغل المغرضون والأفاكون صنيعنا هذا، ففعلوا بنا ما فعلوا، فهل ننسى عدم التزامنا ونلقي بالتبعة على غيرنا؟.
وأتساءل ثانيًا: ما المصائب التي ستنزل بمصر إذا تُرك الجنزوري في وزارته حتى نهاية يونيو القادم؟ هل هناك خطر داهم يصر إخواننا على الاعتصام أمام مكتبه؛ حتى يمنعوه من الدخول إليه؛ فيحفظوا البلد من هذا الخطر باعتصامهم؟!
لقد تحملنا ثلاثين عامًا بل أكثر!! سرقة ونهب وفساد وظلم وبغي، فهل ضاقت حيلنا لدرجة أننا نصر على الاستجابة لمطالبنا في التو واللحظة وعدم تحمل ستة أشهر؟
لقد بدأنا الانتخابات البرلمانية التي يجمع البشر على أنها الأفضل في تاريخ بلدنا، وإن لم تكن مبرأة من كلِّ عيب، إذًا! هناك ضوء في نهاية النفق؛ حيث سينتخب الشعب البرلمان والرئيس لأول مرة في تاريخه بإرادته ودون تزوير، وساعتها! يستطيع الناس أن يقولوا للمجلس الأعلى: لدينا مؤسسة منتخبة لا يقبل معها ما تتعللون به من أنكم لو سلمتم السلطة فليس هناك جهة دستورية تسلمون لها، وأيضًا!! يستطيع الناس بعد الانتخاب أن يحاسبوا من انتخبوهم عن حقوقهم الضائعة ومظالمهم التي يتظلمون بها، فإذا لم يستجب حكامنا المنتخبون لمطالبنا العادلة فإن الميادين لم تغلق أبوابها، والساحات ما زالت مفتوحة.
أطمع أن نتأمل جيدًا هذه الكلمات التي صدرت من قلب مكلوم على بلده، وعلى شبابها وعلى استقرارها وعلى تراثها وعلى سمعتها أمام العالمين، وهي خطاب الشرع المدعوم بنظرة أب له أولاد يود أن يكون زمانهم أفضل من زماننا، وحالهم أفضل من حالنا، وواجبه أن لا يبخل بالنصيحة عليهم، وهو يراهم مدفوعين بعواطفهم في عكس الاتجاه، وقرار الأب ونظرته للأمور تختلف كثيرًا عن نظرة الأبناء، ولذلك! رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة المتحمسين ليلة بيعة العقبة الثانية لما انكشف أمرهم وعلم الكفار بهم، قال الشباب المتحمس: يا رسول الله! إن شئت لنميلن غدًا بأسيافنا على أهل منى؟ فقال: ارجعوا! لم نؤمر بذلك! ولو ترك الأمر لحماسة الشباب وحدها لتبددت طاقات كان يمكن أن تستفيد منها الأمة لو أحسنا استخدامها.
طامع أن نتدارس مع شبابنا هذه النظرة الشرعية؛ لعل الله أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، والله أسأل أن يقر أعيننا بمصر العامرة بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن يحفظها وشبابها من كلِّ مكروه وسوء، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، ورجائي لكلِّ من انتفع من هذه الكلمة بشيء أن لا يحرم هذا الخويدم للإسلام من بركات دعائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.