قال الراوي: يا سادة يا كرام، إنه بعد قيام الثورة المصرية، التي هبت لأجل الحرية، والقيم الإنسانية، وبعد أن قدم الشهداء، أرواحهم للوطن فداء، ووري الثرى والقبور، فتية في عمر الزهور، بنات وبنين، كعقود الياسمين، وقدم البعض نور الأبصار، ثمنًا لشمس تشرق ونهار، فلا جزع أهل الشهداء، ولا لانت عزيمة الأوفياء، ولا أقر بالجرم الجبناء، وانزاح كابوس ثقيل، وولى ليل طويل، ولاح الفجر والنور، وعم الفرح والسرور، وتنفس الناس الصعداء، برحيل أس الداء، ومنبت البلاء، وبين عشية وضحاها، نفضت مصر عارها وبلاها، وأذلت من أذلها ودهاها.
وتقدم للحكم طليعة الجنود، فمكانهم بالقلوب طيب محمود، وقيل نفتح صفحة جديدة، نرجوها عالية مجيدة، ونصفح عن زلة من زل، وضلال من ضل، وعن صمت الصامتين، على طول السنين، ومن جعلوا أذنًا من طين، والأذن الأخرى من عجين، عن وطن نهبه الناهبون، ودمره المجرمون، ومن لم نسمع لهم هياجًا، ولا أبدوا احتجاجًا، عندما دق الناقوس، ليرث الوطن غر منحوس، ولاؤه للأمريكان، وأعداء بني الإنسان، وقتها هب الأحرار، ولاحقهم الأشرار، وابتلعت سجون الطغيان، كهولاً وفتيان، وجرى الفرز العظيم، بين الحر واللئيم، فكل خير فاختار، بين جنة الظالم والنار، فأبى الأحرار أن يخنعوا، وعزموا على ألا يخضعوا، بينما رفل في العز الجبناء، واستمرأ الذل الأذلاء، وأعطوا الدنية راضين، ونعموا بالغنيمة آمنين، وقد عدموا الفطنة والكياسة، ورضوا بمنطق النخاسة، والتاريخ مسطور بجلاء، فلا مجال لزيف وادعاء، وبعد انتصار الأمة، وزوال الغمة، فتحت الحبيبة أحضانها، لكل أبنائها، وتقدم العسكر يحكمون، والناس راضون فرحون، وقالوا عفا الله عما كان، ولنبدأ من الآن، وكشعب صبور كريم، قلنا إن الله غفور رحيم، ولندع ما فات، وننظر ما هو آت، وراقبنا فتح ملفات الفاسدين، وتطهير الساحة من المفسدين، ولكن مرت الأيام، واكتمل من الزمن عام، ولا تتخذ أهم القرارات، إلا بخطوب وتضحيات، فبقي رأس الفساد بعاصمته السعيدة، ينعم بعيشة رغيدة، بالنسيم العليل، والبحر الممتد الجميل، ومن حوله ولداه، وخاصته وذوو قرباه، وألف جليس وجليس، ينادونه السيد الرئيس، والثورات تعدم الظالمين، وتخسف الأرض بالظالمين، وتنصف المظلومين، ولكن مجلس العسكر، فكر وقرر، فترك أكابر المجرمين، معززين مكرمين، بمحاكمات تطول، ودفاع يصول ويجول، وأسرة من ريش النعام، تنقل لنا عار الحكام، فيلعب في أنفه تارة، وينظر يمينه ويساره، ويتعقب البعض أخباره، وكيف عاف بعض الطعام، وتناول غيره في التهام، ثم يعود عودة القرير، محمولاً على السرير، ويرجع لمنتجع فخيم، ويرفل في نعيم مقيم، بينما يلاحق الأطهار، ويسحق الثوار، فيسجنون مع تجار المخدرات، ومرتكبي أبشع الجنايات، ويحاكون محاكمات سريعة، وتصدر عليهم أحكام مريعة، ومن العجب المبين، وما لا يصدقه المجانين، أن البعض راح يبيع لنا الهواء، ويروج القول الهراء، وينسب لنفسه من المواقف والأفعال، ما لم يقع في واقع ولا خيال، وجرت أمور تثير الارتياب، وتحير أصحاب الألباب، فعاد الناس من جديد، بعزم أكيد، لحماية حلمهم الوليد، فصب العسكر النيران، والطوب والزفت والقطران، على الرجال والنساء والولدان، وسحقوا الحرائر الشريفات، وكشفوا عورات العفيفات، بائعات ومشردات وطبيبات، ومهندسات وصحفيات، وسدَّت الفضيحة الآفاق، وراحت لبلاد واق الواق، ومرغت سمعتنا، وديست كرامتنا، وروع العباد، في ربوع البلاد، وأثبت الزمان، أن أعوان السلطان، لا ينقلبون بين ليل ونهار، إلى مناضلين ثوار، ويا هاتكي ستر الحرائر، غدًا تدور عليكم الدوائر، وتقف العدالة في إباء، وتنتصف للعرض والدماء، ويرى الذين يظلمون، أي منقلب ينقلبون!!.