حين يقف المرء متسائلاً ومتأملاً فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابته لدستور المدينة المنورة، أو ما أطلق عليه "وثيقة المدينة المنورة"، يتساءل المتأمل: ما كانت حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقصده في ذلك، وعنده القرآن الكريم، دستور الأمة الإسلامية الجامع لكل قيم الحرية والحق والعدالة والمساواة، والإنسانية، والمعروف والخير، والذي جاء تبيانًا وتفصيلاً لكل شيء؟!
إننا نقف أمام باهرة من باهرات هذا الدين العظيم، من خلال تلك الممارسة التطبيقية التي مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عين الله عز وجل؛ فالقرآن الكريم دستور ومرجعية المسلم، فماذا عن أخي في الإنسانية، وشريكي في الوطن ممن لا ينتمي إلى ديني؟ إن مرجعيته ليست هي الإسلام بلا شك، فكان من عظمة هذا الدين، وكامل إنسانيته، واحترامه لكل نفس تدب على الأرض، إذ هو رحمة الله للعالمين، وليس للمسلمين وحسب، كان من عظمة هذا الدين أن يعفي غير المسلم من هذا الالتزام بمرجعية القرآن- وهو القرآن- رغم كون الأمة التي يحيا تحت ظلها غير المسلم هذا هي أمة الإسلام، وكتابها القرآن!.
يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم "وثيقة المدينة المنورة" كأول دستور مكتوب في حياة الأمة الإسلامية والعربية، ونموذج فريد في تاريخ الحضارات الإنسانية كلها، ينظِّم الحياة المدنية الاجتماعية بين المسلمين وبعضهم بعضًا، وبين المسلمين وغيرهم من غير المسلمين، يهودًا أو نصارى أو لا ملة لهم ممن ارتضوا العيش مع المسلمين في بلادهم ودولتهم واشتركوا في الوطن الواحد.
مدنية الدولة وسياسة أمرها إذن، وشكل نظمها وأنظمتها حقيقة حضارية وتاريخية في حياة الأمة منذ اللحظة الأولى التي تشكَّلت فيها الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وقام بها نبي الأمة وقائدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومارسها من بعده العدول والفاهمون لحقيقة هذا الدين من حكام هذه الأمة وعلمائها وساستها.
وعليه، فإن القول بمدنية الدولة من جانب الاتجاهات الإسلامية، هو قول صادق وصحيح، يقوم على المرجعية الإسلامية؛ فالذي قرر هذه المدنية بل حقَّقها على أرض التاريخ الإسلامي هو الدين الإسلامي نفسه، ممثلاً في فعل رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، الذي هو المصدر الثاني الرئيسي من مصادر التشريع للأمة المسلمة، فالقول بمدنية الدولة هو حقيقة دينية، لا مجرد قول نظري بفكرة بشرية خالصة، ولا هو محاولة لإبداء التطور والمرونة والتوافق مع الاتجاهات العلمانية والليبرالية، والكارهة للدين في حياة الإنسانية عامة، والناظرة إليه كشيء هلامي لا حقيقة له في الحياة وعلى الأرض.
مدنية الدولة عند المنتمين لهذا الدين "دين" يعبدون الله عز وجل به، ويتقربون إليه سبحانه بتحقيقه على الأرض، وممارسته مع شركاء الوطن: مواطنة ومساواة كاملة في الحقوق والواجبات، بل برًّا بالغًا، وإحسانًا، ومودةً وتواصلاً، وهل هناك أبلغ دلالة على ذلك من حل زواج المسلم بغير المسلمة، ومقصد الزواج الأسمى في شريعة الإسلام هو السكن والمودة والرحمة؟!
إن القول بمدنية الدولة لا يكون عند المنتمين للإسلام حقًّا إلا حقيقة دينية، تنتج عن المرجعية الإسلامية التي يعلنونها، بل ربما لم يكن ليكون لها وجود في فكرهم ونظمهم إذا لم يكن قد جاء بها دينهم، وحملتهم عليها شريعتهم؛ فالقول من بعدُ بغير ذلك يشكك في حقيقة إيمانهم والتزامهم بشريعتهم التي يعلم القاصي والداني منها أنها شريعة تنتظم الحياة كلها؛ فهي منهج حياة شامل، لا مجرد فكرة نظرية هائمة، ولا نظام يقف في جانب دون آخر من جوانب الحياة.. إنه الحياة كل الحياة، وإنها شرع الخالق لمن خلقهم، لا اجتهادات البشر العاجزين حتى عن إصلاح أنفسهم، الإسلام- والله- هو الحل.
------------------
* أكاديمية وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية- asmaazeyada@yahoo.com