المصطلح الذي أشاعته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كونداليزا رايس" كان "الفوضى الخلاقة"، وكان الأمر مرتبطًا بـ"العراق" بعد هدم الدولة، ثم بمنطقة "الشرق الأوسط" بعد إعادة ترسيمها، وفق مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؛ الذي تعتلي "الدولة العبرية" فيه موقع قيادة الإقليم كله، و"الفوضى" علم سياسي واسع, وله نظرياته وآلياته واستخداماته المتعددة.

 

والذي نحن بصدده اليوم هو قراءة "سياسة" "المجلس العسكري" بعد أن عرفنا "إستراتيجيته" في مقال سابق.

 

وسياسته هذه ليست من بنات أفكاره- في ظننا- لكنه هو المنفذ لها.. هذه السياسة هي ما يُعرف بـ"فوضى تحت التحكم" "mess under control", وهي- ببساطة- أن يتعمَّد طرف إحداث فوضى يملك إشعالها كما يملك إخمادها؛ وذلك للوصول إلى منظومة سياسية جديدة يكون هو قائدها، ويضع غريمه السياسي في موضع جديد لا يتجاوزه.

 

وهذه السياسة تستخدم في صراعات متعددة، أهمها:

 

- صراع حكومة وطنية مع دولة أجنبية لها مطامع.

- صراع خصمين سياسيين كبيرين في وطن واحد.

- صراع "حكم ديكتاتوري" ضد "فرقاء إصلاحيين".

 

- والحالة الأخيرة هذه هي الممثلة لواقعنا المصري؛ "فالمجلس" في مواجهة "الثورة" هما طرفا الصراع الآن.

 

والسؤال الأول: ما عناصر هذه السياسة على أرض الواقع؟! والإجابة تلوح أمامنا واضحة، وهي:

 

أولاً: إحداث اضطراب جزئي مقلق ودائم باستخدام العنصر المستجيب لذلك، وهو "شباب التحرير".

 

ثانيًا: آلية مستخدمة، وهي استفزازهم بشكل ممنهج وإلى أقصى درجة (حتى القتل)؛ لضمان وجودهم الدائم في حلبة الصراع.

 

ثالثًا: التحكم في الصراع عبر تأخير استحقاقات المرحلة الانتقالية، بما فيها من مطالب مقدور عليها، مثل تعويض الشهداء وعلاج الجرحى؛ ليظل الوضع مأزومًا على الجميع.

 

رابعًا: إعلام بلا رقابة تختلف عناصره على المصالح وتتوحد على الأهداف، فأذناب النظام الإعلامية يريدون تبييض صفحتهم في الزحام، وراكبو موجة الثورة يتطلعون لمناصبها، وحملة الأجندات الخارجية يوطِّدون وجودهم.. كل هؤلاء مع الثوار- أصحاب الجرح والدم- يتوحَّدون بلا نظام على تهييج الأوضاع.

 

والهدف من كل ذلك هو الوصول بالشعب إلى حالة اختناق من الصراع لتأثيره الضار على الحياة اليومية،وتكريس الخوف على المستقبل؛ مما ينشئ- بالتدريج- حالةً من اليأس تذكر الناس بالسمعة السيئة للشخصية المصرية التي روَّج لها الأنظمة السابقة، فينسحب تأييد الجمهور للثورة ليصب التأييد القسري- في النهاية- في سلة "المجلس".

 

والحقيقة أن "المجلس" يود لو أن الذين في الميدان أكثر تنظيمًا وقوةً حتى يدور صراع طويل مرير، يضمن "المجلس" فيه إرهاق الشعب، وبالتالي يستطيع حصار الثورة في مطالب محدودة بغية الخروج من الأزمة المصنوعة هذه.

 

لذا فالمؤكد أن "المجلس" يريد "الإسلاميين" (الأكثر قوةً وتنظيمًا) ليبدأ معهم صراعًا يستخدم فيه بطشًا جزئيًّا يتصاعد مع الوقت؛ ليستطيع أن يتحكَّم في إيقاف هذا الصراع أو إشعاله من غرفة عملياته هو, ويدفع الشعب ثمنًا باهظًا لصراع يظن أنه ليس طرفًا فيه.

 

أضف إلى ذلك أن القيادة العسكرية قد درست "سلوك" الثوار, واستوعبت أشكال حركتهم, وكيفية تواجدهم في الميدان, وهم (أي العسكر) لا يعانون من "أزمة الصدمة الأولى" التي فاجأت "مبارك" فأسقطته, فهم عسكريون وقد تعلموا كيفية الاستعداد القتالي أمام الجيوش، فكيف وهم يديرون صراعًا أمام "جيش"!! لا يمتلك خطةً ولا سلاحًا، كما أن تحركاته مفهومة؟!

 

هذه باختصار رؤية من يخطط "للمجلس" مستخدمًا "الشعب" كقوة ضاغطة على الثورة مع مرور الوقت، وليس قوة مؤيدة وداعمة كما بدأت، وإذا نجحت هذه "السياسة" فماذا نتوقع بعد ذلك؟!

 

نتوقع أن ينصب الحلبة لأكبر خصمين سياسيين، ويدعم الأضعف منهما ليواجه الأقوى فيضعُف الاثنان في مواجهته هو، ويظل متحكمًا ما دام الفريقان متناحرين، وعليه.. فإن لم يفطن "شباب التحرير" فسوف يكونون مجرد قوة بيد "المجلس" يتلاعب بها حيث يشاء.

 

وإن لم تفطن القوى السياسية، وتخلص التوجه والقصد لصالح الوطن، فستوضع في مواجهة بعضها بعضًا، وكل الوسائل جاهزة لخلق صراع:

 

إما (إسلامي x إسلامي)

أو (إسلامي x ليبرالي)

 

السياسة واضحة، ولا يمكن إبطالها إلا بالنضال لاستلام السلطة سلميًّا وفق خارطة 19/3، لنبدأ معركة إعادة الجيش إلى مهمته الدستورية الوحيدة، وهي حماية جبهتنا الخارجية، وهي معركة أخرى كبيرة.

 

---------

* Mohamedkamal62@gmail.com