إن حاجة البشرية إلى العلم الكثير كحاجة الأرض المجدبة إلى الغيث الهاطل، ولا بد أن يُسخر الدعاة جميع وسائل التعليم والإيقاظ؛ كي ينصفوا الحق، ويوصلوه إلى الخلق، وهنا يجيء دور التذكير في إبعاد سنة الغفلة عنه.
وكم من مبتعد عن الجادة تكفيه في العودة إليها همسة ناصح أو صيحة زاجر، فإذا هو راجع إلى رشاده، مستقيم على الصراط.
الدعوة إلى الله واجبة في كل حين، وهي في هذه الأيام أوجب، والدفاع عن الحياة مطلوب، وهو عند تحرش الذئاب وإحاطة الأخطار أحفز للحس، وأدعى للاستعداد والانقضاض.
والسبيل إلى الله مهددة الآن بجحافل من الملحدين والفساق، تجر العامة جرًّا إلى الجريمة، وتصرفهم صرفًا عن العبادة، وتزين لهم بألف وسيلة أن يهجروا الإيمان والعمل الصالح. وتلك حال تنفي النوم وتقض المضجع (مع الله: الشيخ محمد الغزالي ص302).
وهذه الحال تستنفر الدعاة إلى الله؛ خاصة هؤلاء الذين تهيأت لهم أسباب القبول واستكملوا أدوات الدعوة فشملهم قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)) (التوبة) وهذا شأن خطبائنا، ومهمة دعاتنا، ولن يقوم عنهم بهذه المهمة أحد.
يقول الشيخ محمد الغزالي: "دعمًا للحق في أبناء الأمة جعل الله الخطابة من شعائر الإسلام... ففي كل أسبوع يحتشد المسلمون في المسجد الجامع ليسمعوا داعية إلى الله يذكر به ويعلم دينه.
وفي كل عيد يجتمع الرجال والنساء في الميادين الرحبة أو الصعدات المحيطة بالقرية؛ ليسمعوا التوجيه المناسب بعد صلاة العيد.
وفي كل موسم جامع للحجيج تلتقي وفود الأمة الإسلامية المترامية الأطراف حول "عرفة"؛ لتستمع إلى خطاب يتناول شئونها ويشرح قضاياها ومبادئها.
وبديهي أن الخطابة في الإسلام غير الخطابة التي يُرى شبحها الآن حائلاً مائلاً.. إن الصلة بين الخطيب اليوم وحقيقة الدين كالصلة بين سيف المنبر الخشب وأسلحة القتال في البر والبحر والجو.
الخطابة في الإسلام مظهر الحياة المتحركة، فيها الحياة التي تجعل هذا الدين يزحف من قلب إلى قلب ومن فكر إلى فكر، وينتقل مع الزمان من جيل إلى جيل، ومع المكان من قطر إلى قطر، وذلك هو السر في أن نبي الإسلام كان يخطب كل أسبوع وكل عيد، ويخطب أو ينيب عنه أميرًا يخطب في وفود الحجيج عند جبل الرحمة" (مع الله ص306).
والخطابة في الإسلام ليست وظيفة دنيوية ولا وسيلة من وسائل كسب العيش، إنما هي انبعاث وجداني وقلق روحي وإحساس بالهم، والخوف على مصير هذا الدين يدفع الخطيب إلى السعي لإنقاذ الناس.. إنها إحساس كالذي عاشه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندما صعد على الصفا ينادي، ولما لم يجد صدى لدعوته رجع إلى بيته حزينًا يكاد يقتله الحزن، حتى واساه ربه بقوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)) (الكهف)، واحتاج إلى تكرار ذلك في مواضع عدة؛ لتكون تلك المواضع شاهدة على مدى قلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وخوفه على مصير هذا الدين: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)) (الشعراء)، واحتاج أن يذكر بطبيعة المهمة وهي أنها تذكير وبلاغ، وليس منها القدرة على شرح القلوب للهداية واعتناقها للدين. (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)) (الغاشية)، بل وأيأسه أن يكون جهده وحده هو سبب الهداية فقال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)) (القصص).
هذه كلها مؤكدات على مدى شوق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أن تنشرح له القلوب؛ ليثوب الناس إلى رشدهم، وليهتدوا إلى ربهم، وإذا غاب عن الخطيب حسن الغيرة والهم والقلق على الدين فلن تجده إلا ممثلاً بارعًا أو مهرجًا مقنعًا أو مطربًا مشجيًا، وإن رزق حسن الصوت وحلاوة الأداء.
والخطابة بذلك لا تحتاج إلى فتح أقسام وتأليف كتب قدر احتياجها إلى فتح قلوب وتكوين همم، وإلا فأين تعلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخطابة؟ وأين درسها أصحابه من بعده؟ وأين درسها حسن البنا؟ وأين درسها المجددون المصلحون في كل عصر من عصور الإسلام؟!!
إن الخطابة مظهر تنفيس طبيعي لما يعانيه الخطيب من إحساس، وما يجده في نفسه من هم، وما يعانيه من خوف وقلق، فإذا امتلأت نفسه واكتظ ضميره، واهتاج شعوره، وامتلأ قلبه، لن يستطيع تحمل ذلك كله إلا بأن يخرجه للناس مكتوبًا أو مسموعًا أو مقروءًا، ولن يجد راحته إلا بعد أن يطمئن إلى أداء واجبه وبلوغ مأربه، وهو مع كل كلمة يقولها وكل لفظة يلفظها آمل في الله أن تحدث أثرها وتؤتي أكلها، وأن يرى من وراء جهده قلبًا يخشع، وعقلاً يفهم، وإحساسًا يألم ويحزن لما يصيب هذا الدين.
والخطيب الذي يحمل الإسلام رسالة، ويعرف الدعوة وسيلة من وسائل التبليغ والبيان، ويدرك أن الخطابة إحدى هذه الوسائل وأجداها، هو وحده القادر على إحداث الأثر في المخاطب؛ لأن الناس ينفعلون على قدر شعورهم بصدق الخطيب وإخلاصه وحرارة إحساسه.
والخطيب ينفعل على قدر ما يجده في نفسه من غيرة على دعوته وقلق على رسالته، فإذا لم يجد الناس في الخطيب هذا الانفعال الصادق، وهذا التأثر العميق، فلن يلتفتوا لما يقوله، ولن ينجذبوا إليه حتى ولو أطربهم وأشجاهم وأضحكهم وأبكاهم، فسيظل مجرد رجل أتقن أدواره ليستديم بها وظيفته ويضمن بها معيشته، ويستكثر بها من مستمعيه.
ولما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو أعظم خطيب شهدته البشرية في تاريخها كله، كان لزامًا علينا أن ننظر إليه خطيبًا، وأن نلتمس من خطابته أسباب النجاح وعوامل التأثير.
وأعظم مقومات النجاح لدى الخطيب أن يكون على وعي عميق بهدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وطريقته في الخطابة، فكيف كانت خطابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم"؟!