مر نحو عام على الثورة وإلى اليوم لم يُدَن قاتل واحد ممن قتلوا الثوار بحكم واجب النفاذ، بينما تدور في سرعة البرق محاكمات بعض الثوار عما ينسب إليهم من تجاوزات ليُقضى عليهم بعقوبات مغلَّظة بموجب أحكام تصدر بعد أيام أو أسابيع، وربما لم يكن من حقنا أن نعترض، فالحجة حاضرة، وهي أن هناك جرائم ارتُكبت وقانونًا واجب التطبيق.

 

ولكن وجه الدهشة أنه بينما العدالة ناجزة على رءوس الثوار فإنها تقف في استراحات طويلة إزاء أكابر المجرمين بحق الوطن كله، فالبعض قدمت ضده البلاغات ولم يحقق فيها من الأصل، وبعض البلاغات حقق فيها ذرًّا للرماد في العيون، ثم أصابتها سنة النعاس، فراحت في سبات عميق، وربما ماتت، فالنوم والموت يتشابهان في المدى القصير، وبعض المجرمين ينعم بكل صنوف التدليل والإكرام، فلا زال مبارك يرقد معززًا مكرمًا في مستشفى فندقي سبع نجوم للاستجمام، وهناك يلتقي الملوك والرؤساء ويتلقَّى التهاني في كل مناسبة من بعض كبار رجل الدولة، ومنهم وزراء- كما نشر- والله أعلم من تنشر تهانيه من المهنئين ومن لا تنشر تهانيه!.

 

وبالأمس القريب سحق شباب من خيرة أبناء الوطن في شارع محمد محمود، وفقد البعض بصره، وسوف تتمطَّى خطى القضايا كليل امرئ القيس الذي يصفه بليل كموج البحر أرخى سدوله، مع فارق مهم، وهو أن أمرأ القيس توقع لليله صبحًا، ولكن ليل العدالة يبدو سرمديًّا بغير نهار فيما تعلق بجنايات الكبار المحروسين المدللين!.

 

امتدَّت اليد المجرمة- مع غطيط صوت العدالة الناعسة- من ضرب الثوار وإفقاد بعضهم نور عيونهم إلى العدوان على دور العدالة ورجالها مع فاصل إعلاني يعمل جهده للنيل من كرامة القضاة والقضاء، وإهالة التراب على بطولاتهم، مع إبراز النقاط والبقع السوداء، بينما السكوت على البقع السوداء ليس مسئولية القضاة، وقد طالب بعضهم، وكنت ممن طالبوا- دون مجيب- بالتحقيق فيما نسب إلى بعض القضاة حيال الانتخابات السابقة، ولكن سياق الأحداث يدل على أن إهانة القضاء قصد مقصود، والله يعلم ما وراء القصد من دوافع مما تكشفه الأيام حتمًا!!.

 

ومما يتردد أن هناك من يرغب في إفساد الانتخابات لأهداف وأجندات بعضها خارجي وبعضها داخلي، وأن الإهانات قصد بها دفع القضاة إلى التخلي عن الإشراف القضائي، والله أعلم!.

 

وبينما تهدر العدالة ويهان رجالها ويلاحق بعض الثوار ويحاسبون على المثقال وما دونه يتبدَّى لنا بعض رجال المجلس العسكري، وكأنهم صناع الثورة، فنسمع عما زعم أنه دار همسًا عن رفضهم للتوريث إبان شيوع مشروعه، وهو أمر ما شهدنا له أثرًا ولا سمعنا عنه حتى مجرد إشاعة!.

 

ونسمع من يخرج علينا من رجال المجلس العسكري وهو يوشك أن يقول (آآآآآآآآآه.. أيها المصريون لو تعلمون ما لم نفعل بكم تنفيذًا لأوامر مبارك، احمدوا الله كثيرًا وقبلوا أيديكم ظهرًا وقلبًا!!) بافتراض أننا- كمصريين- أنفقنا على الجيش من دمائنا لتسليحه والإنفاق على رواتب رجاله ليقتلنا، ومنهم من يتحدث- بالطبع- ليدافعوا عن الوطن ويقتلوا أهله عندما يطلب منهم ذلك، فإن لم يقتلونا وجب علينا الحمد والشكر، وأن تلهج ألسنتنا بالثناء وإبداء الامتنان!.

 

وأسأل رئيس المجلس العسكري وأعضاءه، هل كان الاعتداء الهمجي على بعض دور العدالة ومنع القضاة من دخولها، وإهانة بعضهم بأبشع الألفاظ عملاً عشوائيًّا؟ هناك من يقول: نعم، ويقدم أسانيده المعقولة، وهناك من يقول: لا، ويقدم أسانيده المعقولة أيضًا، ولكن يثور السؤال الأشد كآبة وهو: هل من الطبيعي أن يمر الأمر دون أدني حساب وكأن شيئًا لم يحدث، فلا قضاة جرى سب أمهاتهم وآبائهم ولا محاكم أغلقت بالجنازير ولا عدالة عطلت؟!.

 

وإذا كان الصمت سيد الموقف أمام هذا الإجرام الفاجر جهارًا نهارًا ففيم ملاحقة ثائر تجاوز في لفظ هنا أو هناك؟ أهذه هي العدالة التي قامت الثورة وحلم العدالة أعز أمانيها؟.

 

يقول البعض: إن الأمر ليس عشوائيًّا؛ بل إن هناك أيدٍ تعبث في الظلام وبعض الأيدي تعلم أنها ملوثة بالمال الحرام وتضخم الثروات، وهي ترى العدالة- دورًا ورجالاً- خطرًا ماحقًا يهدد البعض أن يؤتي من صياصيه، ومن حيث يجلس إلى مكانه الطبيعي مع باقي أفراد التشكيل العصابي!.

 

هل من الطبيعي أن يهدر القانون فتمر نكبة مروعة كالتي جرت دون تحقيق ولو من باب ذر الرماد في العيون، ثم الرهان على نسيان الناس مثلما جرى في ملفات كثيرة، أم أن المقدر لهذه النكبة أن تنام ومن البداية إلى جوار نكبات أخرى تعج بها مكاتب أناس علقت في رقابهم مسئولية التحقيق فتحولت مكاتبهم إلى عالم كهنوتي لا تعلم ماذا يخرج منها وفي أي سرعة يخرج، وهل يكون على ظهر صاروخ عابر أم على ظهر سلحفاة، بينما تتجمد من البرودة بعض الملفات التي تحمل مصائب سوداء حقيقية؟!

 

ولأن مرور جريمة بلا عقاب هو أكبر إغراء بجريمة لاحقة أشد قسوةً وأعنف قدرًا، فإن الدور فيما يبدو جاء هذه المرة ليكون بيد رجال نيط بهم مهمة حماية رجال القضاء بشكل مباشر خلال أداء القضاة رسالتهم في الإشراف على الانتخابات حسبما نشر متواترًا.

 

وليس بوسعي أن أجزم بأن واقعة جرت ولا من هو الطرف المدين فيها إلا بعد تحقيق نزيه شفاف في ظروف مواتية لتوقيع العقاب على من أساء أيًّا كان وبقدر جرمه، ولكن الخشية كل الخشية أن تنام القضية بجوار أخواتها النائمات الناعسات الهانئات بالنعاس الطويل في الأدراج.

 

لقد قيل- والعهدة على الرواة- إن بعض القضاة ناداه بعض رجال الجيش بلفظة حيوان، وقيل إن البعض ضرب وسحل، وقد سمعت وشاهدت أحد القضاة يتحدث عما شاهد ويقول إنه كان مذهولاً من اعتداء الشرطة العسكرية على القضاة وإهانتهم، وهذا بلاغ رسمي قانوني لا بد من التحقيق فيه، فهل يحقق المشير ورجاله فيما نسب إلى بعض رجالهم بحق بعض القضاة؟

 

ل يردع قائد القوات المسلحة من يثبت خطؤه من رجاله أم يكتفي هو ورجاله بالمن على المصريين أن الجيش لم يقتلنا خلال الثورة كما كان مكلفًا، وهو قول ألمح إليه المشير نفسه في كلية الشرطة في حفل تخريج إحدى الدفعات، ثم لما استدعي للشهادة بكلية الشرطة ذاتها قرر في جلاء وجزم أنه لا مبارك ولا غيره طلب من الجيش قتل الثوار!! ثم قال بعدها إنه شهد بما يرضي ضميره!.

 

ونحن لا نشكك في ضميره ولا ضمير غيره ولكننا نتساءل والسؤال بديهي: إذا كان الأمر كذلك ففيم الإيماءات والتلميحات كسبًا لبطولة سرعان ما تصبح هشيمًا تذروه الرياح وسرابًا يتبدد فور سطوع شمس الحقيقة؟!

 

في حدود علمنا أن حمد الله واجب في السراء والضراء، وفي حدود علمنا أيضًا أن من عليه أن يحمد الله حمدًا عظيمًا هم أعضاء المجلس العسكري بدءًا برئيسه وانتهاءً بأحدث أعضائه؛ لأن المصريين وإن كانوا متسامحين يتسمون برحابة الصدر فإن أحدًا لا يشك في حدة ذكائهم، وأن قاصيهم ودانيهم يعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن كل رجال المجلس العسكري هم من رجال مبارك، ويعلم القاصي والداني علمًا لا يخالطه شك أن أيًّا من رجال المجلس ما صدر عنه علنًا ولا سرًّا ولا همسًا وربما ولا خاطرًا ما يغضب مبارك، وأن أحلامهم كانت محصاة عليهم ولو علم عن أيهم ما ينفي ولاءه لمبارك نفسه ما بقي حيث كان يومًا واحدًا، فلا تمنوا على الناس فضلاً هم أولى منكم بالمن به عليكم!.

 

وأسأل المشير طنطاوي: أليس مفجعًا أن تهبط مطالبنا لتكون المساواة في العدالة وسرعة خطاها بين الثوار وقتلة الثوار؟ أليس مفجعًا أن تمر انتهاكات جسام للقانون تشكل جنايات مغلظة العقاب دون تحقيق ناجز شفاف وعقاب عادل بينما تقوم العدالة الناجزة ضد الثوار وحدهم؟ وهل قامت الثورة وتوليتم- بحكم حقائق القوة على الأرض- قيادتها لتحاسبوا الثوار عن تجاوزات بعضهم؛ بينما أنتم مدينون بالكراسي التي تجلسون عليها اليوم لدم الثوار وعيون الذين فقدوا العيون، في حين يرقد أكابر المجرمين هانئين آمنين مطمئنين في فنادق سبع نجوم؟!

 

إنني أطالب المجلس العسكري الحاكم وحكومة الدكتور الجنزوري والنائب العام باتخاذ الإجراءات القانونية لسرعة انتهاء التحقيقات في وقائع قتل الثوار وإصاباتهم في شارع محمد محمود، وإعلان النتائج علنًا والتحقيق الفوري في العدوان الهمجي على بعض دور المحاكم والقضاة وما أبلغ به بعض القضاة عبر وسائل الإعلام من وقوع عدوان على بعض القضاة خلال الانتخابات، وتقديم من يثبت جرمه إلى المحاكمة، وأقول- مخلصًا لمصر- لا تراهنوا على النسيان، فالمصريون شعب طويل البال حقًّا لكنه لا ينسى وله خصائص نيلهم العظيم فهم يصمتون طويلاً طويلاً فإذا جاء الطوفان فإنه لا يبقي ولا يذر!.