د. سامر سليمان: الإصلاح الاقتصادي مرتبط بالاستقرار السياسي

أسامة غيث: التقشف يدفع البلاد إلى مزيد من التدهور الاقتصادي

فاروق العشري: الحل ليس في التشاؤم ولكن بإغلاق ماسورة الفساد

 

تحقيق- صفية هلال

بعد أسبوعين فقط من توليه رئاسة مجلس الوزراء، عقد الدكتور كمال الجنزوري مؤتمرًا صحفيًّا ليعبر من خلاله عن إحباطه وتشاؤمه حيال تدهور وضع الاقتصاد المصري، داعيًا لإعلان حالة التقشف لكبح عجز الميزانية المتضخم.

 

وتسببت تصريحاته في خسارة البورصة بما يقرب من ‏4.3‏ مليار جنيه من رأس المال السوقي بعد أن سيطرت حالة من الخوف والقلق على المستثمرين الأجانب الذين زادت حدة مبيعاتهم لتصل إلى ‏66.7‏ مليون جنيه في حين تماسك المستثمرون المصريون والعرب ولم يندفعوا نحو البيع بل اتجهوا لاقتناص الفرص وانخفاض الأسعار مسجلين صافي مشتريات بلغت ‏32.3‏ مليون جنيه للمصريين وحدهم.

 

تحذيرات وهمية

ويصف الدكتور سامر سليمان أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية تحذيرات الدكتور كمال الجنزوري رئيس الحكومة الانتقالية بشأن سوء الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد وضرورة اللجوء إلى حالة التقشف بأنها مبالغ فيها، ليظهر للمواطنين أن التركة التي ورثها ثقيلة للغاية وليشعر المواطن بأن أي تغيير قد تحدثه حكومته في هذا المجال حتى ولو كان تغييرًا طفيفًا بأنه شيء عظيم.

 

ويضيف أن هذا لا يمنع أن الاقتصاد المصري يمر بحالة حرجة ويحتاج إلى تكاتف ودعم من كل القوى السياسية الموجودة على الساحة كما يحتاج إلى مخاطبة الحس الوطني والإنساني في رجال الأعمال المصريين كما يؤكد سليمان على أن حكومة الجنزوري غير قادرة على التعامل مع الوضع الاقتصادي المصري.

 

ويشير إلى أن تحسن الاقتصاد المصري مرتبط بعملية الاستقرار السياسي للبلاد ولا نحتاج إلى التقشف بقدر حاجتنا إلى التعامل مع الملفات السياسية التي كان من المتوقع سرعة التعامل معها بعد الثورة وأن تكون على رأس أولويات أول حكومة جاءت بعد الثورة كوضع حد أقصى للأجور داخل جهاز الدولة بالإضافة إلى تقليل أجور بعض المستشارين الذين يحصلون على أكثر من 100 ألف جنيه في الشهر.

 

ويتابع قائلاً: هذا بالإضافة إلى عدد من القطاعات والأوساط التي تحصل على رواتب مستفزة لعامة الشعب، فالحد من الإنفاق في هذه القطاعات ربما يساعد على خلق عدالة اجتماعية التي كانت أبرز مطالب الثورة وسيبعث برسالة إيجابية للمجتمع ويمنحه الأمل بأن هموم المواطن قد تجد لها مكانًا في أولويات النظام القادم.

 

ويؤكد أن المشكلة الاقتصادية في مصر نتجت بها إهدار الأموال وسوء توزيعها فمثلاً أنت ترى الفرد العادي في جهاز الشرطة أجره ضعيف للغاية لكن إذا صعدت إلى أعلى تجد القيادات تحصد مبالغ ورواتب مرتفعة وكذلك بعض الميزانيات تراها بعيدة عن الرقابة وهذا يفتح المجال أمام السرقة والنهب والإهمال وإهدار الأموال.

 

ويوضح د. سليمان أن القطاع الخاص هو القاعدة الأساسية لبناء الاقتصاد المصري إلا أنه لا يجب التعويل على رجال الأعمال المصريين فقط في إنقاذ الاقتصاد لأن معظم رجال الأعمال يبحثون في الأساس عن مصالحهم الشخصية وتحقيق مكاسب مادية لهم ولذلك يصبح دورهم مهمًّا ورئيسيًّا في بناء اقتصاد قوي إذا كانت هناك دولة توجهه من خلال سياسات غير مباشرة عن طريق إتباع سياسة الحوافز والعقوبات.

 

 ويشدد على أن النهوض بالاقتصاد المصري هو مسئولية جميع القوى السياسية التي ستقود بها البلاد في المرحلة القادمة ويجب أن يتصدر أولوياتها وبالأخص الأغلبية البرلمانية التي سيكون من مهمتها وضع حكومة قوية مبدعة ومتميزة تستطيع وضع حلول منطقية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية.

 

 ويطالب د. سليمان حزب الحرية والعدالة الذي حصل على أغلبية في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية بالبدء في التفكير في هذه الحلول وابتكار مشروعات جديدة من الآن وحتى يتم افتتاح أولى جلسات مجلس الشعب القادم، وذلك حتى يمارس البرلمان المهمة التي ينتظرها الناخبون منه.

 

تقشف وتدهور

الصورة غير متاحة

 أسامة غيث

ويرى أسامة غيث (الخبير الاقتصادي) أن تصريحات الدكتور الجنزوري تعكس واقع الاقتصاد المصري لكنها لا تفسر العوامل التي تسببت في ذلك، مشيرًا إلى أن الصورة التي خرجت بها التصريحات قد يفهم منها أن ثورة يناير هي السبب في ذلك لكن حقيقة الأمر أن تراكمت طويلة الأجل على امتداد سنوات سبقت الثورة هي التي أدت إلى هذه الأوضاع السيئة والخطيرة التي نعانيها الآن.

 

ويتابع: بالإضافة إلى مخططات فلول النظام السابق الذين كانوا يحتلون مواقع اقتصادية هامة وحساسة تسببت في ظل انعدام الشفافية في أوضاع خطيرة وغير مبررة.

 

ويؤكد أن هناك أمورًا خطيرةً وتساؤلات مشروعة كانت تحتم الأمانة على الدكتور الجنزوري الإجابة عليها ويكشف للشعب من المسئول عنها قبل البدء بهذا الحديث التشاؤمي والدعوة إلى التقشف كالحديث عن الانخفاض الحاد في احتياطات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي (احتياطات مصر الدولية)، مضيفًا: إنه لا يمكن تفسير هذا الانخفاض الحاد بمجرد خروج بعض من الاستثمارات الأجنبية التي لم تتعد 2.3 مليار دولار فقط لا غير في حين أن احتياطات النقد الأجنبي الرسمية انخفضت بمقدار 16 مليار دولار.

 

ويضيف قائلاً: أما حديث الجنزوري عن خسائر هيئة البترول التي تزيد عن 60 مليون دولار والتي ترتبط بحبس وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي وتلاعبه في الموازنة العامة للدولة مما أدى إلى اختلاق ديون على عدد من الهيئات العامة الرئيسية وفي مقدمتها هيئة البترول بالإضافة إلى تلاعب سامح فهمي وزير البترول الأسبق.

 

ويلفت غيث إلى أن استعانة الدكتور الجنزوري في تشكيله للحكومة ببعض من أفراد الحكومة السابقة وخصوصًا في القطاعات الحيوية التي اتفق المحللون على أنها عديمة الكفاءة، يعني أن انعدام الكفاءة سيلازم حكومة الجنزوري وهذا هو الخطر الاقتصادي والمالي الكبير على مصر.

 

ويصف غيث حديث الدكتور الجنزوري عن التقشف بأنه حديث غير الخبير قائلاً: الحديث عن التقشف في هذه الفترة التي انخفضت فيها الموازنة العامة وتراجعت معدلات النمو ويشهد الاقتصاد حالة من الركود يدفع بالبلاد إلى مزيد من التدهور، ففي هذه الحالة يجب العمل على حل مشكلات الركود فمعروف في بديهيات علم الاقتصاد أن هذه المراحل يجب أن تشهد مزيدًا من الإنفاق العام الرشيد الذي له عائد والنفقة التي تساهم في النمو الحقيقي.

 

ويوضح غيث أنه إذا كنا في حاجة إلى التقشف فيجب أن يكون هذا التقشف في النفقات غير الضرورية في الموازنة العامة للدولة وهو تقشف مالي وليس اقتصاديًّا وهذا الحديث معناه أن حكومة الجنزوري ما زالت عاجزة كسابقاتها على مواجهة الموقف وتحقيق إيرادات عاجلة وسريعة في الموازنة العامة للدولة.

 

توفير السيولة

الصورة غير متاحة

فاروق العشري

ويرى فاروق العشري رئيس اللجنة الاقتصادية بالحزب الناصري أن تصريحات الدكتور كمال الجنزوري بشأن تدهور أوضاع الاقتصاد المصري من باب تيسير الحمل الملقى على عاتقه وحتى يستطيع مواجهة الرأي العام، من خلال توجيهه إلى المزيد من الصبر.

 

ويصف هذه التصريحات بأنها تشاؤمية أكثر من الواقع لأنه يمكن تدارك وتحسين الموقف المالي، فبالنسبة لأزمة السيولة لدى الحكومة؛ يقترح العشري حلها من خلال أساليب داخلية ممكنة التطبيق وبصفة عاجلة كإدخال أرصدة أموال الصناديق الخاصة التي تقدر بـ36.5 مليار جنيه فورًا ضمن موارد الموازنة العامة للدولة.

 

ويضيف العشري لا بد من الإسراع بإلغاء وظائف المستشارين وكافة من بلغوا سن التقاعد سواء العاملين بالحكومة أو الشركات القابضة وهذا سيوفر للدولة مليارات الجنيهات على حد قوله.

 

ويقول: هذا مع تخفيض الدعم الموجه للطاقة بالنسبة للمصانع كثيرة الاستهلاك للطاقة واعتماد نظام الضرائب التصاعدية بنسبة 5% أو 10% بالنسبة للدخول التي تزيد عن مليون جنيه فصاعدًا، مؤكدًا أن المصادر سالفة الذكر هي مصادر سريعة جدًّا وواقعية لتوفير عجلة السيولة.

 

ويلفت العشري إلى أن الفساد كان يستهلك حوالي 30 مليون دولار سنويًّا وفقًا لمؤشرات صندوق النقد الدولي فإذا كان جزء مهم من الفساد قد رحل بقيام ثورة يناير المجيدة فأين هذه الأموال الآن؟ ويتساءل مستنكرًا: أين اعتمادات رئاسة الجمهورية؟ مؤكدًا أن الحل ليس في التشاؤم والبكاء وإنما في التحرك السريع ووضع خطط تنموية حقيقية لإصلاح الأوضاع الاقتصادية المتردية وحالة الانكماش الخانقة والبطالة المدمرة وارتفاع الأسعار الفاحش.

 

ويشدد العشري على أنه ليس هناك مجال لطلب التقشف بين 60% من شعب مصر الذي يفتقر إلى لقمة العيش ويموت في طلبها أحيانًا، وإنما يجب التوجه بالتقشف إلى الطبقة الغنية فاحشة الغنى المتوحشة التي سيطرت على الاقتصاد القومي وسيطرت على الحكم بقوانين تأخذ حقًّا معلومًا للسائل والمحروم من أموال الأغنياء والأثرياء.

 

ويحث العشري حكومة الجنزوري أن تكون جادة وتسرع في اتخاذ إجراءات عملية ليكون هناك قدر من الثقة والأمل لدى الناس ويدفعهم إلى العمل والإنجاز.