أسماء- مصر:
السلام عليكم.. أنا زوجة في الرابعة والعشرين من عمري وزوجي يكبرني بتسع سنوات ومرّ على زواجنا ثلاث سنوات ولدينا طفلتان ونحن والحمد لله نعيش حياة سعيدة ومتوافقان في الآراء والطباع والاهتمامات إلى حد كبير، ولكن زوجي يريد أن يتزوج مرة ثانية ويريدني أنا أن أبحث له عنها لأني أفهمه وأعرف ماذا يريد في زوجته وما لا يريد، وأنا عندما يحدثني في هذا الأمر لا آخذه على محمل الجد ولا أبدي رفضي- مع اشتعال الغيرة بداخلي- لكني أقول له ما دام هذا الشيء يسعدك أنا سوف أتحمل زواجك بأخرى!!
وهو يبرر لي زواجه بأخرى أنه يحب التناسل ولا يريد أن يرهقني بكثرة الإنجاب وأنه يشعر من زملائه عندما يتقدم بهم العمر فإن زوجاتهم لا تتحملهم ولا ترغب بوجودهم في البيت لفترات طويلة فهو يتفادى ذلك بزواجه بأكثر من واحدة، وأنا أعلم أنه يملك من الشخصية والالتزام والقبول ما يجعل الكثيرات يعجبن به، وخاصّة أن مجال عمله الأغلب فيه مع النساء ولكنه والحمد لله يخشى الله ولكن عندما يريد الزواج سيجد الكثيرات.
يجيب عنها: الدكتور أسامة يحيى الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
حمدًا لله على نعمائه وصلاة وسلامًا عل خير خلقه وخاتم رسله... وبعد
ما زال موضوع تعدد الزوجات يلقى زخمًا إعلاميًّا وثقافيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا كبيرًا وكثيفًا وطويلاً وعميقًا، وهو من البساطة بمكان، ففي استشارة سابقة تعرضت له مبينًا أنه أمر أجازه القرآن الكريم والشريعة الإسلامية شرط العدل بين الزوجات وهو شرط في غاية الصعوبة، وأوضحت فيه أنه لا أحد يجرؤ على أن ينكر أهمية تعدد الزوجات في بعض الأحيان بل وضرورته في أحيان أخرى، وأنه قد يكون رحمة للنساء قبل الرجال، ورحمة لمجتمع طغت فيه نسبة النساء على الرجال فازدادت العنوسة، وتركت الأرملة والمطلقة بغير زوج يرعاها ويصونها وتعيش في كنفه وتتمتع بدفئه ورعايته.
فزوجك يا ابنتي لا يطلب حرامًا ولا يسعى لحرام بل لحلال أجازته الشريعة الإسلامية شريطة أن يأخذ الأمر بحقه، وهو العدل بين الزوجات.
فلنعد إلى المرأة وطبيعة المرأة التي لا يعرفها الرجل جيدًا.. من منطلق... (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) (آل عمران: من الآية 36)، فالمرأة لا تقبل أن يتزوج زوجها عليها إن كانت هي الأولى ولكنها تقبل بأن تتزوج رجلاً متزوجًا إن كانت هي الثانية، إن طبيعتها تجعلها تقبل فكرة الزواج الثاني في ظروف وعدم قبولها بذات الفكرة في ظروف أخرى.
إن الله خلق الرجل والمرأة على طبيعتين مختلفتين في هذا الشأن لحكم كثيرة قد لا يتسع المجال الآن لسردها، وإن تعدد الزوجات يتماشى تمامًا مع هذه الطبيعة الذكورية والأنثوية على حد سواء، وليس في ذلك شك أو عجب فخالق الإنسان العليم به هو الذي شرعه وهو أعلم بما يتوافق معه ويصلحه.
والحقيقة التي وضحت لي أن علاقتكما الزوجية رائعة بطريقة مذهلة وتعيشان حياة سعيدة مزينة بطفلتين ومتوجة بالتوافق في الآراء والطباع والاهتمامات إلى حد كبير لدرجة أنه طلب منك البحث له عن زوجة جديدة لأنك تفهمينه وتعرفين ما يريد في زوجته وما لا يريد وهذا طلب عجيب، ولكن الأمر الأكثر منه عجبًا هو أنك أعربت له عن نيتك في تحمل هذا الأمر ما دام يسعده، رغم أنك أحيانًا لا تأخذينه على محمل الجد ولا تبدي رفضك مع اشتعال الغيرة بداخلك، أنت تعترضين من الداخل وتوافقين من الخارج، وفي هذا تناقض عجيب وفصام مثير.
واعلمي يا ابنتي أن الرجل لا يشعر برفض امرأته لقول يطلقه أو أمر يفعله إلا إذا أعربت هي عن رفضها لأقواله وأفعاله بصراحة ووضوح وبطرق تليق بزوجة طيبة تعتب زوجها الكريم وتتناصح معه، أما إذا كتمته عنه في صدرها- كما تفعلين- فسيعتقد أن كل شيء على ما يرام فيما يقول وأن لا حرج عليه فيما يفعل.
والحقيقة أنني لا أفضل أن يجتهد الرجل الذي يرغب في الزواج بثانية في إيجاد تبريرات لهذه الرغبة، فالزواج بثانية أمر أجازته الشريعة الإسلامية ولا حاجة فيه لسرد تبرير ووصف تعليل، ولكن لا بد من تمحيص المبررات التي ساقها زوجك ودلالاتها وهي كالتالي:
أولاً: قد يكون زوجك من الذين يتخوفون من مستقبل ما زال مكنونًا في علم الغيب، وهنا يجب تأصيل جانب يقيني لديه بأن الله تعالى خالقنا ويعلم ما يصلحنا وأننا نرضى بما يقسمه لنا وأنه تعالى يسمع ويرى، فلا شيء يحدث بعيدًا عن إرادته وبمنأى عن حكمته، ثم... هل ضمن المرء منا تقدمًا في العمر وأخذ من الله وعدًا بذلك، وهل وثق المرء بأنه إذا ما طال عمره سيحدث له بالمستقبل أسوأ ما يحدث مع غيره؟ وهل إذا ما تزوج بغرض النسل الكثير أن ذلك سيتم، كثيرًا ما نرسم أحلامًا جميلةً خياليةً ثم عندما نشرع في تنفيذها تنقلب إلى كوابيس كئيبة واقعية، إن الذي يتخوف من المستقبل- كما يفعل زوجك- يخرب على نفسه وعلى من حوله حاضره ومعاشه ومستقبله.
ثانيًّا: إن زوجك قد يكون ممن يتوقعون أن يحدث لهم أسوأ ما يسمعون من الآخرين، وما يرون على الآخرين، فيجب غرس التفاؤل في نفسه بأدائك وأخلاقك وعشرتك وتوجيه نظره إلى أنه كما أن هناك من عندما يتقدم بهم العمر لا تتحملهم زوجاتهم ولا ترغب بوجودهم في البيت لفترات طويلة؛ فإن هناك من عندما يتقدم بهم العمر تتحملهم زوجاتهم وترغب في مكثهم بالبيت لفترات طويلة بل وتزداد محبتهم في قلوبهن أكثر ويتفانين في راحتهم بإخلاص أكبر، فليس كل الناس سيئين جاحدين وليس كل الناس متماثلين متشابهين.
ثالثًا: إن زوجك قد يكون ممن عاشوا مدللين أو الذين افتقدوا التدليل صغارًا أو ممن يريدون اهتمامًا أكثر، فهو في حالة ظمأ للتدليل أو الاهتمام به ويريد أكثر مما تمنحيه له من تدليل أو اهتمام، فلا تبخلي عليه بهما بل أمعني في ذلك وزيدي، إن شعور زوجك باحتمالية عدم حصوله على الاهتمام به منك حال كبره يدل على ضعف ثقته بك لتلبي له هذا الاحتياج فافعلي ما يعيد ثقته بك وفي قدرتك على إسعاده شابًّا وكهلاً وشيخًا.
رابعًا: إن كان زوجك يحب كثرة الإنجاب وأنت تستطيعين القيام بذلك دون أن يكون هناك مردود صحي سلبي عليك فلم لا تكثرين من الإنجاب، مع الوضع في الاعتبار إعادة توزيع المهام والأدوار بالبيت بما لا يجعلك وحدك تدفعين ثمن كثرة الإنجاب وبما لا يقصم ظهرك.
خامسًا: إن مفاتحة زوجك لك بنيته في الزواج عليك وتكليفك بالبحث له عن عروس تناسبه دلالة على طيبته وحسن خلقه وصدقه وصراحته وربما سذاجته، وهي صفات في مجملها طيبة مريحة، وإني في هذا الصدد أقول إن الرجل الذي يريد أن يتزوج على زوجته يفعل ولا يتكلم، الذي يريد أن يتزوج على زوجته لا يحتاج إلى تهديد بأقوال ولكن يحتاج إلى ترجمة رغبته إلى أفعال، فالناجح من الرجال في ميدان القول فاشل في ميدان الفعل، والناجح في ميدان الفعل فاشل في ميدان القول... غالبًا.
سادسًا: إن نية زوجك بالزواج عليك تنبع من طلباته الكثيرة واحتياجاته الثقيلة التي شعر أو أيقن أنها عليك كثيرة وثقيلة وأنه من العقل والرحمة التي سادت تفكيره، وملكت عليه قلبه أنه لا يريد أن يكلفك ما لا طاقة لك به.
سابعًا: ربما يسوق زوجك لك هذه المبررات، وهي ليست المبررات الحقيقية التي تدفعه للزواج عليك، وإنما المبررات الحقيقية أخفاها عنك لأن ذكرها قد يؤلمك ويجرح مشاعرك، وهو حريص على تلبية احتياجاته وفي نفس الوقت حريص على عدم إحراجك وإيلامك وجرح مشاعرك... مثل: التقصير في تلبية بعض احتياجاته بطريقة ترضيه وتريحه كالاحتياج الجنسي، ولا شك أنك قد يتبادر إلى ذهنك أنه كيف لا يريد إحراجي أو إيلامي وجرح مشاعري وهو سيتزوج عليّ وفي ذلك إحراج لي أي إحراج وإيلام لي أشدّ الإيلام وجرح لمشاعري أي جرح، فأقول لك هكذا يزن هو الأمور فيظن أن زواجه بأخرى أقل ألمًا من مصارحتك برغباته التي يعرف أنك لن تقومي بها وأنه يريد تخفيف هذا الألم بجعل عصا التنفيذ معك أنت... هكذا يفكر، وأنا هنا لست بصدد الحكم على هذا التفكير بالصواب أو الخطأ لأن الحكم السديد يختلف من موقف لآخر ومن شخصية لأخرى ومن ظرف لآخر كما يستلزم دراسة شخصيته وشخصيتك، وهو أمر غير متاح الآن.
ثامنًا: ربما يسوق زوجك لك هذه المبررات وهي ليست المبررات الحقيقية التي تدفعه للزواج عليك وإنما المبررات الحقيقية أخفاها عنك لأن ذكرها قد يسيء إليه هو باعتبارها مبررات عورية تثير حفيظته ويخجل من قولها لك، فآثر أن يحتفظ بها لنفسه ويكتمها عنك، ليحتفظ لنفسه بصورة طيبة أمامك.
ابنتي الطيبة الكريمة الزكية، لا بد من مصارحته بما يجول في نفسك الغيرى على زوجك بطريقة تليق بك كزوجة رائعة كريمة لزوج صادق طيب... لا بد من محاولة تغطية احتياجاته كلها ما ظهر منها، وما بطن ما وسعك الجهد حتى لا يحتاج إلى أخرى، وتغافلي الحديث معه في هذا الموضوع فلربما إهماله يؤدي إلى نسيانه وتجاهله، وإذا أصرّ على المضي فيه عن طريقك فلا مانع من أن تسوفي وتؤجلي وتماطلي في التنفيذ وتفعلي في نفس الوقت ما يمكنك منه ويقربك أكثر من قلبه، فإذا ما فعلها وتزوج عليك فهو لم يرتكب إثمًا إنما فعل ما أجازه خالق السماوات والأرض العليم الخبير، وإنما أحسني إليه بما أنت أهله فذلك ما سوف تسألين عنه يوم يقوم الحساب.
شرح الله صدرك وأكرمك بزوجك في الدنيا والآخرة.