الإيمان محله القلب:

من فضل الله عز وجل أن جعل القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، وهو وحده الذي يلقي الإيمان في قلوب عباده المؤمنين المتقين، مصداقًا لقوله تبارك وتعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون* فضلاً من الله ونعمة) (الحجرات: 7- 8)، وإذا عمر القلب الإيمان تحركت كل الأحاسيس والمشاعر والجوارح إلى طريق الخير والعمل الصالح، والقلب هو المعوّل، والآمر الناهي والأعضاء له أتباع، ولقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ".. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (رواه البخاري ومسلم)، وكلما زاد الإيمان في القلب زادت قوى الخير وانشرح صدر المؤمن نحو المزيد من الأعمال الصالحات.

 

حاجة القلب إلى تجديد الإيمان

 

ويحتاج المسلم دائمًا إلى غذاء روحي متجدد؛ الذي يمثل الشحنات الإيمانية التي تشرح صدره إلى المضيِّ قدمًا في مجال الأعمال الصالحات، فإذا غفل المسلم عن غذاء قلبه، فتر أو مرض أو مات قلبه، وبيَّن الله تبارك وتعالى أثر الإيمان في القلوب بقوله عز وجل: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)) (التغابن: من الآية 11)، فالله عز وجل يُدْخل النور في قلب العبد المؤمن بسبب أعماله الصالحة فينشرح الصدر ويبتهج الفؤاد؛ فيزهد في الدنيا ويعمل للآخرة ويستعد للقاء ربه، ومن أدلة ذلك كما ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (رواه ابن أبي الدنيا والحاكم في مستدركه)، وصدق الله العظيم القائل: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22)) (الزمر)، ومن وسائل تجديد الإيمان في القلوب: الذكر والدعاء واستشعار عظمة الله عز وجل والتدبر في مخلوقاته وذكر الموت وزيارة القبور والولاء للذين آمنوا ومصاحبة عباد الله الصالحين.

 

الذنوب تضعف الإيمان في القلوب

 

الذنوب والمعاصي والآثام تضعف الإيمان وتصيب القلوب بالعديد من الآفات، مثل: القسوة والغلظة والجحود وإتباع الهوى والغرور وحب الدنيا وحب المال والتفاخر والتكاسل عن العبادات والأعمال الصالحات، وسوء الأخلاق والانحراف عن الطريق المستقيم، ولقد أشار الله عز وجل إلى ذلك في العديد من الآيات القرآنية، منها قوله تبارك وتعالى في وصف الكافرين: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ (41)) (المائدة)، وفي وصف المنافقين اليهود يقول سبحانه وتعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهر وإن منها لما يشقَّق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغفل عما تعلمون) (البقرة: 74)، وقوله عز وجل: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) (المائدة: 13)، ولقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أثر الذنوب في القلوب فقال: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ورجع واستغفر صُقِلَ قلبه منها، فإن زاد زادت حتى تغلف قلبه"، وذلك هو الران الذي ذكره الله في كتابه بقوله: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)) (المطففين: 14)، ويبين الرسول أثر الفتن في القلوب، فيقول: "تُعْرَض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب إلى قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخيًّا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا بما أشرب من هواها، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض" (رواه مسلم).

 

وحتى لا يقل الإيمان في القلب أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة الذكر والدعاء، فقال: "إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فأسالوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم"، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بَيْنا يُضِيء، إذ علت عليه سحابة فأظلم، وإذا تجلت عنه أضاء"، ويقول الرسول كذلك: "إن القلب ليصدأ كما يصدأ الحديد وجلاؤه ذكر الله" (رواه البيهقي).

 

من أدعية القلوب:

 

اللهم نوِّر قلوبنا بنورك الذي لا يخبو.

- اللهم نقِّ قلوبنا من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس.

- اللهم اشرح لنا صدورنا ويسر لنا أمورنا.

- اللهم إننا نسألك إيمانًا يباشر قلوبنا.

- اللهم افتح مسامع قلوبنا لذكرك.

- اللهم نسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلوبنا.

- اللهم زيِّن الإيمان في قلوبنا واجعلنا من عبادك الراشدين.

- اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا.

- اللهم أَلّفْ بين قلوبنا واجعلنا بنعمتك إخوانًا متحابين.

- اللهم اكتب في قلوبنا الإيمان وأيِّدنا بروح من عندك.

 

-----------

* الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف.