ما إن تهدأ الأحداث إلا وسرعان ما تشتعل، وما إن اقتربت مصر إلى الاستقرار إلا تعود مرة أخرى إلى الاقتتال، وهذا ما حدث في ماسبيرو والبالون وشارع محمد محمود ومجلس الوزراء ومجلس الشعب.
هناك دائمًا من يسعى إلى إشعال الموقف، ويستغل حادثة بسيطة مثل أن يلعب شباب الكرة فتسقط داخل أسوار مجلس الشعب؛ فتتعامل الشرطة معه تعاملاً عنيفًا، وهذا الشاب المسمى العبودي الآن بين الحياة والموت.
أحداث حصيلتها 10 شهداء، وأكثر من 500 مصاب لا شك أنها خسارة فادحة لمصر؛ لأن أثمن وأغلى ما يملكه الوطن هو شبابه الواعد الذي يدافع عن ثورته، والتي يستشعر أن أهدافها تتسرب الواحد بعد الآخر، وأن النظام لم تتغير سياسته- نعم تغيرت الشخوص في بعض الأماكن ولكن لم تتغير السياسات- بدءًا من الإعلام حتى الأمن.. نرى إعلامًا يقلب الحقائق ويدافع عن العنف من قبل الحكومة، ويرمي الشباب بالنقائص. قالوا من قبل إنهم ممولون فليكشفوا لنا عن التمويل.. مأجورون فليكشفوا لنا لحساب من يعملون.. إن لم يملكوا المعلومات فليسكتوا وليصمتوا.
بالقطع الاعتصام والتظاهر حق أصيل من حقوق التعبير، ولا يملك أحد أن يصادره، ما دام كان بعيدًا عن العنف والإيذاء.
وعلى فرض أن المعتصمين والمتظاهرين كانوا مخطئين، وهم الذين بدءوا بالعنف كان يجب على الحكومة أن تكون أكثر حنكةً وسياسةً واستيعابًا واحتواءً للموقف، لا أن تصعد الأحداث فنرى رجال أمن فوق أسطح الأبنية الحكومية يطلقون الرصاص ويلقون قطع الرخام والجرانيت فتتطاير فتعمى وتقتل وتحصد الأرواح!!.
والغريب أن تصريحات المسئولين كانت على نفس نمط تصريحات النظام السابق.. الجنزوري يقول: سأنهي الاعتصام في ربع ساعة!! بالحوار!! (الحوار يستغرق بالطبع أكثر من هذا)!!.
العنف لا يولد إلا عنفًا أشد، والدماء تشعل الثورات.
التصريح الغريب الآخر أن هناك طرفًا ثالثًا هو الذي ضرب المتظاهرين والأمن والجيش، وأنا أتساءل منذ (واقعة الجمل) كان هناك طرف ثالث- ثم في ماسبيرو كان هذا الطرف الثالث موجودًا وحاضرًا في البالون وفي شارع مصطفى محمود وأمام مجلس الوزراء؛ فمن هو هذا الطرف الثالث وإلا سوف اعتبر أن هناك فشلاً في الأجهزة الأمنية في كشف الجاني في حوادث متكررة مستمرة ولفترة طويلة من الزمن.
بالقطع هناك خسارة جسيمة كبيرة في حرق المباني الحكومية وتدميرها وأكبر الخسائر حرق المجمع العلمي الأثري الذي مر على بنائه أكثر من 200 سنة والذي يحتوي على 200 ألف وثيقة ومخطوطة وكتاب، وتم حرق كتاب وصف مصر (وخرائط طابا) انظر خرائط طابا وما دلالة ذلك لنعرف أو نحاول أن نعرف من الفاعل؟.
الطرف الثالث
لا يخرج الطرف الثالث عن واحد من هؤلاء:
1- الموساد الإسرائيلي الذي يهمه عدم عودة الاستقرار إلى مصر وانتشار الفوضى وتقسيم مصر إلى دويلات صغيرة تتنازع وتتصارع فيما بينها على خلفية نوازع قبلية أو طائفية حتى لا تكون هناك دولة في المنطقة العربية قادرة على إعادة توازن القوى بينها وبين الكيان الصهيوني.
بل إن تصريح المسئولين الصهاينة تترى تناشد الغرب وتقول: "على الغرب أن يتدخل لمنع وصول الإسلاميين إلى الحكم"؛ خاصة بعد نتائج المرحلة الأولى والتي أكدتها المرحلة الثانية وإذا نظرنا إلى الأماكن التي تم حرقها:
أ- مجلس الشعب حتى لا يمارس السلطة التشريعية ويسحبها من المجلس العسكري، وحتى لا يحكم الشعب عبر نوابه المختارين وتظل البلاد في غير استقرار.
ب- المجمع العلمي وما يحمل من وثائق تخص تاريخ مصر.
أو يكون الطرف الثالث:
1- فلول النظام القديم من أنصار المخلوع وحبيب العادلي وغيرهما، وها هو حمدي قنديل يكشف عن اتصال من فتحي سرور للمخلوع حسني مبارك يقول له: "اطمئن يا ريس: هاتولع.. هاتولع".
2- من يرغب في عدم تسليم السلطة للشعب المصري ويبقى الشعب المصري خارج معادلة الحكم، وهم أطراف كثر، وهم الذين يؤيدون ويدفعون المجلس العسكري للبقاء في السلطة هم هم المشاركون في لجنة حجازي، ثم الجمل، ثم علي السلمي، والمؤيدون لما احتوت عليه من بنود خاصة المادة 10,9 ثم هم هم المشاركون فيما يسمى بالمجلس الاستشاري.
الحــل
1- لا بد للنظام الحالي من أن يتخلى عن سياسة النظام السابق؛ فالحفاظ على الهيبة لا يتم بالقوة المفرطة، وتعلموا أن أي نظام يفرط في استخدام القوة إلا وتناقصت أيامه؛ فلغة الحوار أقوى من لغة الرصاص.
2- لا بد من السرعة لا التباطؤ في احتواء المشاكل واستيعاب مطالب الثورة لا الالتفاف عليها؛ منها:
* سرعة الإنجاز في محاكمة المخلوع ورفاقه.
* رعاية أسر الشهداء والمصابين.
* وقف المحاكمات العسكرية.
* الإفراج عن المحبوسين بأحكام عسكرية وإعادة محاكمتهم أمام محاكم مدنية.
3- لا بد من الإسراع في إنجاز الاستحقاقات السياسية.
* استكمال انتخابات مجلس الشعب وتأمينها.
* إعلان موعد انتخابات رئيس الجمهورية.
* إعلان البراءة من وثيقة السلمي وعدم دخول المجلس الاستشاري في اختصاصات مجلس الشعب لا في وضع ضوابط ومعايير اختيار الجمعية التأسيسية أو في قانون انتخاب رئيس الجمهورية.
4- أن تدرك الأغلبية الساحقة من الشعب المصري أن السبيل الوحيد لقطع الطريق على كل من يرغب في استعادة النظام القديم هو نقل السلطة للشعب عبر المسار الانتخابي حتى يأتي مجلس شعب يستطيع أن يشرع لصالح الشعب، ويحاكم الفاسدين، ويحافظ على الثورة، ويمنع إعادة إنتاج الفراعين.