أنا زوجة ابنة رئيس سابق لإحدى الجامعات العريقة، خريجة إحدى كليات القمة النظرية.. أما زوجي فهو ذلك الكادر الحزبي الذي تملأ صورته وحواراته وسائل الإعلام، رأيته أول مرة منذ عشر سنوات في مكتب أبي، وقد قدمه لي والدي تقديمًا به كثير من المجاملة، وقد عرفت يومها أن "الدكتور.." يعمل مدرسًا مساعدًا في إحدى الكليات، وأنه شاب مكافح حيث يعمل والده موظفًا بسيطًا في إحدى الهيئات، كما علمت يومها أنه يتردد على والدي كثيرًا لعلاقة حزبية تربطهما.
ولم يكد يمر على لقائي به سوى عدة أسابيع حتى تقدم لخطبتي، ولم أتردد في قبوله، بل اعتبرت ارتباطي بهذا الشاب- الذي يزكيه أبي ويشع وجهه ذكاء ووسامة- مكسبًا لي؛ وأي مكسب؟! ولقد رأيت فيه كل ما تتمناه امرأة مثلي في زوجها، من الشهامة والوجاهة والكرم، فما زلت أدعو الله ليلاً ونهارًا أن يديم علي نعمة هذا الزوج ونعمة الأولاد الذين لا تحلو الحياة إلا بوجودهم.
وزوجي الذي صار من أثرياء البلد لا يبخل عليّ ولا على أولاده بشيء، فنحن نسكن في "فيلا" في إحدى المدن الجديدة، ولدينا مثلها في الساحل الشمالي، ويمتلك زوجي ثلاث سيارات إحداها خصصها لي بسائق، غير سائقه، هذا غير الشقق والممتلكات والأطيان الأخرى.
أين المشكلة إذًا؟!.. المشكلة في انشغال زوجي الدائم، فنحن لا نراه إلا بعد منتصف الليل، فإذا جاء فهو بحاجة إلى الراحة والنوم؛ من كثرة أعماله بالنهار بين الجامعة والحزب، منذ السابعة صباحًا وحتى دخوله المنزل في وقت متأخر من الليل.
إنني- كأي امرأة- أكون في شوق إلى الجلوس إليه ومسامرته، كزوج وكأب للأولاد، غير أن هذا الجلوس لا يستمر سوى دقائق، بعدها يربت على كتفي ويعتذر بلباقة السياسي؛ ليلقي بجسده المنهك على أقرب سرير يصادفه، دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عن الأولاد الذين يحبونه كثيرًا والذي يعاني أحدهم إعاقة ويمر اليوم بيومين دون أن يروه!
إنني- كما قلت- بحاجة إليه، وهذا حقي، فالحزب والجماهير ليسوا أحق مني بوقته وجهده، كما أنني خائفة على أولاده، وإذا كانوا صغارًا الآن فسيأتي وقت لا ينفع حينها أن يكون بعيدًا عنهم كما يفعل الآن، لأنه هو نفسه الذي حكى لي عن الزعيم الحزبي ورجل الأعمال الشهير الذي انحرف اثنان من أبنائه بسبب كثرة غيابه عنهم، فلماذا لا يأخذ هو العبرة مما حدث لصحابه ويهتم ببيته وأبنائه؟! ألا ينظر أيضًا إلى أخيه الأصغر وكيف يهتم هو وزوجته بأبنائهما حتى حقق أحدهم بطولة رياضية قومية على الرغم من صغر سنه؟!
ولقد نقلت إليه كل هذه المخاوف، وعاتبته في العديد من اللقاءات، لكن ماذا أفعل مع "السياسة" التي هي ضرتي الحقيقية؟! لقد وعدنا في مرة من المرات بأنه سوف يخصص لنا يوم الجمعة؛ فلن يلبي فيه دعوة لأحد غيرنا، وقد وفى بما وعد مرة أو اثنتين، لكنه لم يستطع أن يقاوم!! فمرة يأتيه تليفون من الرئاسة يستدعيه لأحد اللقاءات العاجلة، ومرة أخرى يأتيه سفر مفاجئ- وهو بالمناسبة كثير السفريات التي يتغيب أثناءها عن البيت بالأيام والأسابيع- ومرة ثالثة يتركنا لأن شخصية عالمية سيكون هو في استقبالها، وهكذا ضاع علينا هذا اليوم اليتيم الذي كان يمكن أن يكون فرصة لأن انفرد به ويحاورني وأحاوره ويراه الأولاد الذين حرموا منه وهو على قيد الحياة وملء السمع والبصر.
إنني سئمت هذه النمطية في حياتي، ولم تعد لي طاقة على الأخذ والرد والمجادلة مع زوجي العزيز ذي المنطق والحجة، فهو- حسب زعمه- يعمل كل هذا من أجلي ومن أجل الأولاد.. وأنا لا أدري بالضبط ما الذي فعله وما الذي سيفعله مستقبلاً؛ سوى أنه يزداد بعدًا عني وعن أولاده؟!!
يجيب عنها عامر شماخ الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
يمثل غياب الأب عن بيته لفترات طويلة، أحد أهم أسباب انحراف الأبناء، وما زلنا نسمع عن قصص وفضائح أبناء مسئولين كبار وشخصيات عامة تورطوا في الإثم لانشغال الأب وعدم وجود رقيب عليهم، فإذا وقعت "الفأس في الرأس" فلن ينفع الندم، فلا الأموال ولا المناصب ولا الأطيان تستطيع استرداد ما ضاع.
قد يظن البعض خطأً أنه طالما وفرنا لأبنائنا مطعمًا ومشربًا مناسبين وتعليمًا معقولاً، وكماليات ونوادي؛ فقد أدينا ما علينا من مسئوليات وزيادة، وهذا خطأ فادح؛ فالتربية ليست طعامًا وشرابًا، ورفاهيةً ولكنها الدفء العاطفي والحنان الأبوي وغرس معاني الأسرة في الأجيال الناشئة.
إن الأب هو المرجعية الأولى لأبنائه، ومستشارهم الأمين، ومتولي جميع أمورهم، ومن أين سيتعلمون فنون الحياة ويكتسبون الخبرات المختلفة والأب غائب؟!، فإذا نتج عن هذا الغياب انحراف أحدهم، فقد وقع الأب في الإثم، لأن رعايته لأبنائه وتفقده لأحوالهم وسؤاله عنهم ليست منة أو صدقة يتصدق بها عليهم، بل هي مسئوليته التي شرعها الإسلام حقًّا للأبناء على الآباء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت".
والمتأمل في واقع الحياة الآن يجدها قد تغيرت بشكل كبير، مما يضاعف مسئولية الآباء في تربية أبنائهم، فقد صارت أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ حيث غلب الحضر على الريف وازدادت أعداد الناس، وسادت ظاهرة الإبهام الشخصي، فلو التفت الأب عن أحد أبنائه ساعة ولا نقول غاب عنهم، فربما أكله الذئب من ذئاب الشوارع العديدة.
أما هذا الزوج فقد أخذته سكرة المناصب ووجاهة العمل العام، فشغل نفسه بالفرع وترك الفرض والواجب، فإن لم يفق ويراجع نفسه فربما ندم في وقت لا ينفع فيه الندم.
كما لا نريد الخوض فيما يمكن أن تقع فيه الزوجة من محظور؛ لانشغال الزوج وتغيبه عن بيته بشكل مبالغ فيه، وتقصيره في أداء ما عليه من واجبات زوجية وعائلية، وما زلنا نسمع كل يوم عن قصص انحراف بدأت بعدم استيعاب الزوج لأهله وانتهت بجرائم غريبة عن ديننا وأعرافنا.
ونوصي الأخت الفاضلة بما يلي:
قيديه بالبيت بقيود الحب والتشويق، وهذا مما لا يخفى على النساء، وخصوصًا على امرأة في مثل ذكائك وثقافتك. باختصار لا تدعيه يهرب بعيدًا عنك وعن أولادك.
وهو بحاجة- في الوقت ذاته- إلى وقفة، ناقشيه فيها بهدوء عن حاجتك وحاجة الأولاد إليه، بشرط أن تكوني حازمةً في الأمر.
يمكنك إشراك أحد من أهله أو أهلك في حل تلك المشكلة؛ ليكون شاهدًا على تقصيره معك، ناصحًا له.