إلهاء الشعوب:
وهي تعتمد على تحويل انتباه الرأي العام عن المشاكل المهمة والتغييرات التي تريدها وتقررها النخب السياسية والاقتصادية، ويتم ذلك عن طريق سيل متواصل من وسائل الإلهاء والمعلومات التافهة.
مثال: قضية التحول الديمقراطي ووضع دستور جديد للبلاد يعد الحدث الأهم والتغيير الأكبر الذي تقرره النخب السياسية والاقتصادية والفكرية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد؛ ولذلك يتم إلهاء الناس عن هذا الحدث بالحديث عن سياحة الشواطئ والبكيني وموقف الإسلاميين منها وغير الملتزمين وغير المسلمين وموقف الإسلاميين منهم والحدود والزي، وغيرها من الأمور التي تدور حولها حلقات نقاشية لا تنتهي ومتواصلة في العديد من القنوات بالتوازي في آن واحد، إذ ليس من قبيل المصادفة توافقها في التوقيت والأسلوب والنهج على نفس القضايا والموضوعات، والغرض من ذلك كله هو إغراق الشعب في التفصيلات واستغراقه في الجدل، واتساع نطاقه ليس الغرض منه تحويل آراء الناخبين في صناديق الاقتراع كما يظن البعض (وإن كان هذا مقصودًا) بل المراد هو إلهاء الشعب بهذا الجدل في الوقت الذي تسعى فيه النخب إلى إنجاز مهمتها وتحقيق مرادها بالتحكم في صياغة دستور جديد للبلاد بوضع أسس حاكمة تحدد ما يريدونه في الدستور الجديد.
وقد يتساءل البعض، وما العيب في ذلك أليس المراد هو وضع دستور توافقي يعبِّر عن الأمة كلها؟ أقول نعم ذلك صحيح إذا كانوا يريدون ذلك، لكنهم يريدون تأسيس دستور لدولة علمانية، ولكي يتضح المعنى تعالوا بنا نعود قليلاً إلى الوراء مع دستور بلدنا الحبيبة؛ ففي أعقاب ثورة 1919م وبالتحديد عام 1923م تمَّ وضع دستور شامل يقود البلد إلى العدل والحرية والمساواة كان ينص على أن (دين الدولة الرسمي هو الإسلام ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع) سارت عليه البلاد حتى قامت ثورة 1952م فأسقطت الدستور، وفي عام 1954م تمَّ وضع دستور جديد للبلاد ينص على (دين الدولة الرسمي هو الإسلام ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع) سارت على البلاد حتى عام 1971م؛ حيث أسقط الدستور ووضع دستور جديد ينص على (دين الدولة الرسمي هو الإسلام ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع) سارت عليه البلاد حتى قامت ثورة 25 يناير المجيدة فأسقطت الدستور، ذلك لأن إرادة الشعب فوق إرادة الدستور.
وهنا توجب وضع دستور جديد للبلاد تسير عليه البلاد ربما إلى 100 سنة قادمة، ولذلك يسعى فريق من النخبة إلى تغيير هذا الوضع، واستغلال الفرصة التاريخية، ووضع دستور يؤسس لدولة علمانية كما يريدون، ولأنهم يعلمون جيدًا أن الشعب المتدين بطبعة والمحافظ بقيمه ومبادئه لن يرضى بهذا، لذلك يلجئون إلى إستراتيجيات الإعلام للسيطرة والتحكم في الشعوب لإنفاذ ما يريدون بإلهاء الشعب بقضايا هي من التفاهات لينشغل الشعب تمامًا وهم ينفذون.
وربما يفسر لنا هذا بعض الأحداث الغريبة عن الشعب المصري وغير المعروف على وجه التحديد المحرك والداعم لها مثل أحداث العنف غير المبرر في التحرير، وشارع محمد محمود، وأحداث ميدان العباسية، وحلقات الحوار تتناقش في البكيني وتزغيط البط، وغيرها في هذا التوقيت تحديدًا وبهذا التناغم بين قنوات بعينها في موضوعات محددة.