لا شك أننا نعيش مرحلة انتقالية مفصلية في تاريخ مصر الحديث، والتي سيكون لها أبعادها الإقليمية والعالمية في المستقبل البعيد، وربما القريب إن شاء الله تعالى، والتي تحتاج إلى قدر كبير من الوعي والحكمة والتوافق الذي يمثل جسرًا للعبور نحو مرحلة البناء والتنمية والنهضة.
وبحمد الله وتوفيقه اختارت وحددت القوى السياسية الرئيسة سياسة عامة؛ لبلوغ هذه المرحلة هي سياسة التوافق.
ويقصد بالتوافق:
التآلف والتقارب واجتماع الكلمة والاتفاق، وسياسيًّا هو الالتقاء في منتصف الطريق بالحلول الوسط؛ حيث يكسب الجميع فيه النقاط، وتفوز مصر بالضربة القاضية على أعدائها المتربصين بها ويحاولون شق صفها.
* وهو صناعة إطار كبير مادته مكونة من الأهداف والغايات العليا، والمشتركات في السياسات والوسائل والأدوات، يحتوي الرؤى المختلفة كافة، ويمهد لها طريق التكامل والوحدة.
* والتوافق لا يعني الاجتماع على كل الأمور، بقدر ما هو الاجتماع على البعض وتأجيل أو تجاوز أو غض الطرف عن بقية الأمور.
توافق النخبة وصناعة التوافق الشعبي:
وبدايته في الغرف المغلقة؛ حيث تلتقي النخب الثقافية والسياسية الحكيمة الراشدة الواعية بحقيقة الظرف التاريخي وأبعاده الإستراتيجية، متحلية باليقظة لثقل الأمانة ودقة المحاسبة القادمة أمام الله تعالى، وأمام الشعب والتاريخ، فتمارس دورها بإخلاص، وتجرد كامل لله وللوطن وبحرفية عالية؛ لتخرج نتائج التلاقي إلى العلن والجمهور فتعمق فهمه وإيمانه بقضيته، وتزيل مخاوفه وشكوكه في المحيطين به، وتحدد مساره، وتعجل احتشاده، وتحفظ قدراته وجهوده وفعله في مسار واحد هو مسار بناء مصر الحديثة.
وتتجلى النتائج والثمار الإستراتيجية للتوافق في:
* تعزيز القدرة على تجاوز الاختلاف حول العديد من الموضوعات التفصيلية، وحفظ البلاد من الوصول إلى حالة الانقسام السياسي المفضي للصراع.
* الاستثمار الأمثل للتنوع الثري الذي تتمتع به مصر.
* المرونة الكبيرة وإمكانية تبادل وتكامل الأدوار أمام القضايا الشائكة خاصة الخارجية منها؛ حيث يتوافر لكلِّ فصيل اتخاذ موقفه الخاص به من وجهة نظره هو لتحقيق مصلحة البلاد والعباد ولكن في سياق توافقي عام يقود ويدير المشهد.
* ضمان التوافق الشعبي أحد أهم أركان نظرية الأمن القومي للدولة، والذي يجب استثماره وتحقيق مكاسب إستراتيجية عليا في مجالات متعددة (التنمية، السياسة، الاقتصاد.. إلخ).
* الاختصار الزمني للمرحلة الانتقالية، ووقف نزيف وإهدار الطاقات والقدرات المصرية في تفاصيل بينية، واحتواء آثارها، وقطع الطريق على أية محاولات لشقِّ الصف وسرقة الثورة.
أدوات التوافق السياسي:
تتعدد وتتنوع أدوات التوافق السياسي بين القيمي والثقافي والفكري والسياسي، وتتنوع أيضًا بداياته حسب طبيعة كل فصيل، ولكن نهايته واحدة هي الوحدة السياسية الحصينة القوية.
* سعة ومرونة العقل السياسي للأطراف المشاركة.
* سعة ومرونة عمق المرجعيات والأيديولوجيات المشاركة.
* القدرة على التجديد الفكري للأطراف المشاركة.
* منظومة القيم الأخلاقية الحاكمة لمنهج تفكير وسلوك الأطراف المشاركة.
* كل ذلك مرهون بتوافر الرغبة والإرادة السياسية في الإنجاز العام للوطن.
أسس ومهارات التوافق السياسي:
* دراسة وتفهم أهداف ومطالب جميع الأطراف على الساحة السياسية.
* احترام منطلقات وأفكار وأهداف ومشاريع جميع الأطراف.
* تقديم حسن الظن، وحظر التشكيك في النوايا والغيبيات.
* البحث أولاً فيما يمكن تقديمه للآخرين وتعظيمه إلى أقصى حدٍّ ممكن.
* التزام المنهجية العلمية في الحوار والنقاش.
* التزام محاولة الإقناع وليس الوصول إلى الإقناع.
* شفافية المبادرة بطرح المخاوف المتوقعة والردِّ عليها بالمنطق والدليل والبرهان وصولاً إزالة كل المخاوف المتبادلة.
* تقديم وإعلاء المصلحة العامة على الخاصة.
* التزم التفكير والقياس وفق فقه الأولويات.
* التنازل عن بعض المطالب وصولاً للالتقاء في منتصف الطرق.
* تأجيل بعض الأهداف.
* البداية والانطلاق من المتفق عليه وتأجيل وتجاوز المختلف عليه.
* التودد بالخير المتنوع إلى الجميع.
* تقديم النموذج في اللين والتنازل لحثِّ وتحفيز الجميع على الاقتداء بالمثل.
* حظر الحديث عن الماضي وخلافاته.
* حظر التعاتب أو التأنيب.
* حظر الإقصاء لأحد ما دام مواطنًا مصريًّا.