سُئل "ماثيوس براش" عندما كان رئيسًا للشركة الأمريكية الدولية في وول ستريت عما إذا كان حساسًا للانتقاد، فأجاب: نعم، كنت حساسًا جدًّا في مطلع حياتي، إذ كنت أتوق لأجعل الموظفين يعتقدون أنني رجل كامل، فإن لم يفعلوا أصابني القلق، فحاولتُ أن أُسعد إنسانًا كان يتهجم عليَّ، لكن عندما تحسنت الأمور بيننا، ثار شخص آخر، فحاولتُ تلطيف الجو معه، لكنني آَثَرْتُ شخصين غيره، واكتشفتُ أخيرًا أنني كلما حاولت تضميد جراح أحد لأتجنب الانتقاد الشخصي ازداد أعدائي، فقلت في نفسي: إن رفعتَ رأسك فوق الجمهور، فإنك ستُنتقد؛ فاعتد على هذه الفكرة، وقد ساعدني ذلك جدًّا؛ ومنذ ذلك الحين اتخذت هذه الفكرة قاعدة، وحملت مظلتي القديمة وتركت مطر الانتقاد ينزلق بعيدًا عني بدلاً من أن يتسرب إلى عنقي.
بعض أعضاء الأحزاب الإسلامية- صاحبة الرؤية والخبرة والممارسة السياسية- وكذلك الدعاة والمصلحين وقادة العمل العام عندما يتعرضون للنقد، يشعر أحدهم كما لو كان يواجه هجومًا مسلحًا، ودون أن يشعر تزداد ضربات قلبه ويحتقن وجهه ويشعر ببرودة في أطرافه، وما هذا بالفعل الجميل! وإذا قلت لي: لماذا؟ أليس هذا ردًّا طَبَعِيًّا لما يتعرض له هؤلاء؟ فسأقول لك: لا؛ لأن تعرُّضكَ للنقد أو تعرُّض أفكارك ومشاريعك الإصلاحية لذلك لا يعني اتهامك أو تنقُّصك أو القدح فيك، بل يعني أنك إنسان صاحب فكر ورؤية، ويعني أنك شجاع؛ لأنك تعلم أنك ستُنتقد ومع ذلك تتقدم بها (أفكارك ومشاريعك)، ويعني أنك صاحب همٍّ بوطنك ومجتمعك، ويعني أنك تغلِّب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، ويعني أنك تتحمل الضرر الخاص بإيذائك في نفسك وفكرتك ونيتك في سبيل دفع الضرر العام الذي ربما يواجه وطنك إما إفلاسًا أو بطالة أو فوضى أمنية.
ويعني كذلك أنك إيجابي لم تُؤثر الصمت لترتاح من سهام النقد والتجريح، ويعني أنك ثائر؛ فالخامل فقط هو من يموت مع أفكاره في تابوت واحد دون أن يترك أثرًا أو ملمحًا يحكي عنه، ويعني أنك شريف، وأنك من أفضل الناس كما يقول كلارك: "أشرف الناس هم مَنْ يتعرضون للغِيبة، وأطيب الثمار تهاجمها الطيور".
ويلفتنا الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) إلى أخلاق تسمو بالنفس وتزكيها لترتفع عن الأنانية والذاتية في جملة من القيم العالية؛ كالإيثار على حب النفس والإخلاص ونقاء السريرة والعلانية، ثم يؤكد أن بقدر قيمتك يكون النقد الموجَّه لك؛ لأن الحسد رذيلة قديمة موجودة على الأرض قدم الإنسان نفسه، فلتزدك هذه المشاعر الضاغنة عليك الراغبة في إسقاطك تشبثًا وثباتًا ومعرفة أنه كلما زادت قيمتك ازدادت ضغائن الناقصين عليك، فلتستمر في تقدمك ولتستعذ بالله من شر حاسد إذا حسد.
يقول الشيخ الغزالي (رحمه الله): "فالذين رُزقوا من النعم المادية أو الأدبية ما يغري الآخرين بتنقُّصهم، وسد منافذ الحياة والارتقاء أمامهم، أحوج الناس إلى تأييد الله لهم، كي يؤدوا رسالتهم ويبرزوا مواهبهم".
والحل عند الغزالي لا يكون بالانسحاب من ميدان الحياة، بل "أن تكون عصيًّا على النقد؛ فالرجل القوي يجب أن يدع أمر الناس جانبًا وأن يشق طريقه بنفسه إلى غايته(..)، وهذا ليس معناه ازدراء الناس والقسوة عليهم فهذا انحراف قيمي آخر، بل كل ما نوصي به ألا تعطي العامة فوق ما لها من حقوق عقلية أو خلقية، فإن مستويات الجماهير لا تتحكم في تقرير الحق، أو تحديد الفضيلة. بل تؤخذ الحقائق والفضائل من ينابيعها الأصيلة.
وعلى الرجال الكبار أن يبنوا سلوكهم فوق الحق وحده، ولا يتبرموا بالنقد المثار، أو يقلقوا لكثرة الهجَّامين والشتامين".
أما الهجَّامون والشتَّامون الذين فرَّغوا أنفسهم لنقد المصلحين، والنيل من المخلصين، وإلصاق التهم بالعاملين والباذلين والكادحين من أجل رفعة وتقدم وازدهار وطنهم، فقد أخذوا على عاتقهم ترويع الناس من أن يلي الإسلاميون كرسيًّا في مجلس تشريعي، فيقول الشاعر في حقهم:
إذا لم يكن للمرء عين بصيرة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
إن أكثر الذين ينتسبون إلى الليبراليين والعلمانيين لا يريدون للأحزاب الإسلامية- صاحبة الرؤية والخبرة والممارسة السياسية- أن يتقدموا ليحملوا عبء وطن تكأكأت عليه الجراح، وتقاذفته السنون، وأبعدته الأيام، وفرقته الفتن والضغائن، وتاجر باسمه من لا يملك رؤية ولا هدفًا، وادَّعى محبته من لم يقدم من أجله مشروعًا علميًّا أو اقتصاديًّا، إنهم يريدون أن يتزعموا الموقف كما كانوا من قبل، ويتصدروا المشهد مثل الأيام الخوالي، يصعب عليهم أن يبتعدوا عن شهرة الإعلام، وأحاديث الإذاعة، وتلميع الفضائيات، ولو حدث ذلك ستكون طامة كبرى- من وجهة نظرهم- على الوطن.
الحكماء والخبراء كان لهم رأي آخر، فهم يحذرون من أن يتصدر هؤلاء (الليبراليون والعلمانيون) المشهد.. هل تعرف لماذا؟ لأنهم يرون أن "أخطر شيء أن يتصدر راغبو الشهرة، وفاقدو الأهلية أو ضعيفو الرأي لحل أزمة، أو إدارة معركة، إنهم حينذاك سيسعون إلى تملق الجماهير رغبةً في تصدر المشهد، وصناعة زعامة عجزوا أن يصنعوها في سالف الأيام".
سألتْ اليانور روزفلت عمتها (وهي شقيقة تيودور روزفلت): يا عمتي، أريد أن أفعل كذا وكذا لكنني أخشى الانتقاد! فتطلعتْ شقيقة تيدي روزفلت إلى عينيها وقالت: "لا تكترثي بما يقوله الناس ما دمتِ أنتِ واثقة أنك على حق"؛ ولقد استفادت اليانور روزفلت من هذه النصيحة كثيرًا، حتى إنها قالت: إن هذه النصيحة كانت أساس حصنها أثناء وجودها في البيت الأبيض بعد ذلك، فهل يمكن أن تستفيد منها كذلك الأحزاب الإسلامية على اختلاف مشاربها وألوانها وأطيافها؟!.
وليوقن المنتَقَدون أن هذا النقد لا ينال منهم بل يرفعهم، فقيمة الإنسان الحقيقية بما يفعله ويحسنه، وليس فيما يتحدث به الآخرون الذين لا يفهمون أن الإساءة للإنسان الكريم لا تدميه، بل ترفعه عاليًا مثل الشجرة المثمرة تـُرمَى بالحجارة فلا يؤذيها أن الثمر الناضج يسقط على الأرض؛ إذ إنها تعرف أي خير وعطاء يكمن فيها، وصدق الشافعي (رحمه الله) حين قال:
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبًا
يزيد سفاهةً فأزيد حلمًا كعود زاده الإحراق طيبًا
إن أكثر ما يمكن أن يفعله النقد بالمصلحين والغيورين على مصر- حقيقة لا ادِّعاءً- أن تُخدش ثيابهم أو تعلق بها ذرات من الوسخ والقاذورات، كما تخدش الريح المحملة بذرات الرمل سطح الجبل الخارجي فتحدث فيه بعض الحفر اللامرئية، ولكنه يبقى في النهاية جبلاً، لم تستطع الريح العاتية أن تهزه أو تحركه من مكانه، بينما يبوء الناقدون بالخزي والخسران:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
سباعية الحماية:
ونصيحتي للسالكين طريق العمل العام، والعمل الحزبي القائم على أسس إسلامية وسطية صحيحة، تتلخص في السباعية التالية:
أولاً: التزام طريق العمل الصامت:
قالوا: سكت وقد خوصمت، قلت لهم: إن الجواب لباب الشــر مفتاح
الصمت عن جاهل أو أحمـق شرف وفيه أيضًا لصون العرض إصلاح
أما ترى الأســد وهي صـامتة؟! والكلب يخـسي لعمري وهو نباح
ثانيًا: التخلق بالصبر والصدق مع المنتقدين:
صبرًا جميلاً ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا
من صـدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجـا
ثالثًا: تحكَّم في نفسك، ولا تترك الغضب يتحكم فيك: فلا تتصرف بشكل غير لائق أو تهاجم من أمامك باللفظ دون تفكير، وزِنْ كل كلمة تتكلم بها حتى لا تُحسب عليك أو تحاسب عليها.
رابعًا: أجِّل المناقشة في الوقت الحالي إذا وجدت صعوبة في السيطرة على أعصابك تجاه الاتهامات أو الانتقادات المجحفة الموجهة إليك، حتى لا تقول أشياء قد تندم عليها فيما بعد.
خامسًا: استمع جيدًا لكلام منتقديك؛ فربما كان الطرف الآخر محقًّا في نقده لك، وأنصحك أن تتعامل مع الأمر كأنك تواجه مشكلة تبحث لها عن حل وقل في نفسك (مثلاً): "معه حق.. سوف أصلح هذا الأمر إن شاء الله".
سادسًا: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)) (الأعراف).. فلا تكافئ المنتقدين على قولهم أو فعلهم، واحلم عليهم، ولمّا نَزَلَت سأل رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) جبريلَ عنها، فقال: "لا أَدري حَتَّى أسأَلَ، فعرج، ثم رَجَعَ فَقَالَ: يا مُحَمَدَّ، إِنَّ الله يَأمُركَ أن تَصِلَ مَن قَطَعَك، وتُعطِي مَن حَرَمَكَ، وتَعفُو عَمَّن ظَلَمَكَ".
سابعًا: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)) (الحِجْر).. فافزع إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد، (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)؛ من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك.
والخلاصة التي خبرتها وجربتها تتلخص في أمرين:
أولهما: أن الطريقة الوحيدة لتجنب الانتقاد والعيش في أمن وسلام هي البقاء مثل "تمثال" موضوع على الرف.
وثانيهما: أن تفعل ما تراه صحيحًا؛ لأنك ستكون عرضةً للانتقاد على أي حال؛ فأنت ستُنتقد إن فعلتَ شيئًا ما، وستُنتقد إن لم تفعله.. والخيار لك.