قد بزغ الفجر بعد طول انتظار، وآن للنور أن يتجلى بعدما أظلم عنوةً رغمًا عن البشرية، وها هي الأيام يتمخض منها ضياء أثلج الصدور، وأسعد القلوب، وأحيا النفوس، وأيقظ الهمم النائمة؛ فوجب على كل متبصر أن يعي أننا في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا نمر بأوقات فارقة سوف يتحدد على إثرها مصير نهضة ينتظرها العالم أجمع ليس في مصر فقط.
أيها الشرفاء من بني الإسلام ودعاته.. إنكم تمرون بمرحلة استخلاف لا تمكين، كما قال ربكم: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)) (الأعراف)، وما زالت المعركة قائمة، فلا يترك أحدكم موقعه الذي أصبح أمانة في عنقه؛ ظنًّا منه أن النصر قد لاح في الأفق وأوشك على التحقق، فإنكم من هنا قد بدأتم الطريق الذي ما زال طويلاً، وما تحقق عندكم ما هو إلا وسيلة لنشر دعوتكم (دعوة الإسلام) الذي تمهَّدت السبل الآن لبسطه على الناس دونما تضييق ومصادرة للحريات.
إخواني.. الغاية التي نعمل من أجلها ليس لطلب الدنيا، وليس النجاح في الانتخابات آخر ما نطمح؛ بل هو البداية للوصول إلى الهدف المنشود من تعبيد الناس لله بشرعه الوسطي المعتدل، فما أجمل أن نتقرب إلى الله في تلك اللحظات بالذات، فنكثر من القيام والدعاء والقرآن، ونتلاحم على العروة الوثقى التي تجمع شتات الأمة هنا وهناك، عندها سنشعر بقيمة ما نبذل من جهد، وندرك الهدف الذي نصبو إليه.
ما أحوجنا أن نستشعر أن الله تبارك وتعالى يحب الواقفين ببابه، المتمسحين بأعتابه، والطالبين منه والملحين في الدعاء؛ فالدعاء اعتراف وإذعان بالعبودية لله، وأن الله وحده هو القادر على كل شيء، قادر أن يمكن لكم، وأن الله تبارك وتعالى يحب أن يسمع صوت تذلل عبده له في قوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: من الآية 60).
أيها الأحباب، يجب أن ندرك أننا نواجه الآن تحديات خطيرة، وهي تحمل أمانة هذه الأمة التي منحتكم ثقتها وأملها وإصلاح ما أفسده أصحاب المذاهب المستوردة، ولكن من يمتلك إرادة الإيمان يستطع أن يقف وقفة الحسم إزاء ذلك خوفًا من مجاوزة حدود الله، مستعدًا للبناء والعمل، مضحيًا بكل وقته وجهده في سبيل انتظار عطاء الله الذي يمنحه لأولياء الخير واليقين.
عليكم إخواني أن تهبوا أنفسكم لدعوة الله، وأن ترتفع نفوسكم فوق مطامع الحياة، وتصبحوا خدامًا لدعوة التوحيد، وأن تستحضروا تلك الوجهة في علاقاتكم مع الناس وبين جموع الأمة على جميع أطيافها، وأن تطهروا أنفسكم من المطامع والأهواء، وأن تحصنوا أنفسكم بالعلم والإيمان والصبر الطويل على مكاره العمل، وأن تجعلوا وجودكم كله في سبيل ذلك، وأن تكونوا مؤمنين بالمسئولية التي حملتموها، وأنكم تملكون إرادة حرة تستطيعون أن تتحركوا من خلالها لعمل الخير، ولدفع الشر، ملتزمين بالمسئولية الأخلاقية في كل عملكم، مساهمين في بناء المجتمع الرباني الأصيل الذي تتطلع إليه البشرية.
ينبغي أن تكون عبادتكم هي عبادة المجاهدين العاملين، الذي يفنون أنفسهم في خدمة أمتهم ومجتمعهم، وذلك ببناء لبنة مؤسسات هذا المجتمع على قدر استطاعتكم، وأن يصحح مفهوم العبادة الفردية المنعزلة التي تدعو إليها بعض الطرق المنحرفة عن طريق الجادة، فذلك مفهوم قاصر؛ لأنه يحرم المسلم من ثواب النضال في دائرة المجتمع وهداية الناس وتصحيح المفاهيم، وما خلق المسلم ليعتزل الناس ويعبد الله بالذكر والانفصال عن المجتمع، ذلك أن عبادة الله تبارك وتعالى في الإسلام إنما تكون بمخالطة المجتمع والتعامل معه، وإبلاغ الناس كلمة الحق والخير على قدر المستطاع.