كان كارل ماركس يرى أن الدين هو أفيون الشعوب لما ينطوي عليه الخطاب الديني– في وجهة نظره- من بُعْد غيبي يعد في الدار الآخرة بثواب ربما أقعد المقهورين عن المطالبة بحقوقهم في الدنيا.

 

وبرغم أن المقولة تجور على أكثر الحقيقة فإن بعضها يبقى من خلال ممارسات البعض صحيحًا بشكل مفجع، فعلى مر العصور استعمل الحكام الطغاة بعض رجال الدين وبعض علمائه في إلهاء الناس وإلقاء الأماني في نفوسهم عن نعيم الآخرة جزاء الصمت عن ضياع حقوقهم في الدنيا.

 

وفي الحقيقة فإن الساحة المصرية تشهد قبل وبعد الثورة خطابًا دينيًّا بعضه مسئول متوازن وبعضه منفلت غير مسئول، وبعضه ربما رأى فيه البعض ما يثير الضحك ورأى فيه آخرون ما يثير الفزع، ولكنه يبقى في كل الأحوال مهينًا، فهو مهين للمسلمين إذ يجعل دينهم عند المتصيدين بابًا للسخرية، ومهين للعقل مثير للشعور بالخزي مغرق في الغيب على حساب الواقع بشكل فادح، ومهين للمتكلمين إذ يجعلهم يبدون كما لو كانوا أناسًا عاشوا في الكهوف بعيدًا عن العلم والحضارة مئات السنين، ثم فجأة هبّوا من رقادهم مثيرين من حولهم زوابع مضحكة مبكية!.

 

منذ عدة أعوام راح خطيب المسجد الذي أؤدي فيه صلاة الجمعة يلقي خطبة الجمعة على مدى ثلاثة أسابيع متتالية عن (المسيخ الدجال) وأتبعها بجمعة رابعة عن الثعبان الشجاع الأقرع،  فتطرق إلى أوصاف المسيخ الدجال وصفًا دقيقًا كأنه رآه وعاش معه وكيف نميزه فور ظهوره عن غيره من الناس وطريقة لباسه وكيف يتكلم وكيف نرد عليه وكيف نتحاشى خطره ثم انتهى إلى الحديث عن مصيره المحتوم!!.

 

وفي خطبته عن الشجاع الأقرع راح يصف الهول والرعب ينتظر البعض منَّا على يد ذلك الشجاع الأقرع في القبر، ولستُ أثير الشك لا في ظهور المسيخ الدجال ولا في مجال إثبات أو نفي ما تعلَّق بالشجاع الأقرع ولا هذا ما عنيت، ولكني كنت أتميز غيظًا لأنه فيم التطرق إلى خطر المسيخ الدجال الذي قد يراه جيلنا وقد لا يراه بينما هناك مائة ألف مسيخ دجال من السلطة الحاكمة الناهبة ينهشون الناس يوميًّا بوجوه عديدة، منها السطو على أقواتهم وخيراتهم وإهداء بعضها إلى الصهاينة كالغاز الذي يقدَّم هدية من الحبيب إلى الحبيب تحت ستار عقد بيع وهمي، بينما يتقاتل المصريون في صفوفٍ على أسطوانة غاز، ومنها تسليط النظام أمن الدولة على الناس يحصي أنفاسهم ويعدّها عدًّا ويلقي القبض على من شاء ربما دون أي تهمة، ويتعرض المواطن هناك لما شاء المرضى النفسيون الساديون عديمو الضمير والشرف من صنوف الإهانة ركلاً وضربًا وسبًّا وربما خرج مهانًا محطمًا وربما قتل كما قتل عبد الحارث مدني وخالد سعيد والسيد بلال وغيرهم، بينما يقف الخطيب على المنبر منفعلاً صارخًا يتصبب عرقًا كأنه في معركة حربية حامية الوطيس، محذرًا إيانا من خطر المسيخ الدجال!.

 

إن بعض مشاهد الساحة المصرية تذكرني بطرفة قديمة سمعتها عن رجلين اتفقا على إعداد طعام مشترك، وبينما جدَّ أحدهما تهرَّب الثاني من كل التزامٍ وراح في نوم عميق، وأنه كلما ناداه الجادّ إلى عملٍ تهرَّب، حتى فرغ من إعداد الطعام قال له من باب إبراء الذمة تفضل فردَّ الآخر أنه خجل من كثرة ما رفض نداءات زميله، وآن له أن يلبي نداءه فقام والتهم الطعام!.

 

إن من مزايا العصر الحديث- وهي عيب عند مدمني خلط الحقائق بالوهم والتمني والأساطير- أن الأحداث الجسام صارت توثّق صوتًا وصورة، فلم يعد المجال متسعًا للادّعاء والكذب.

 

قبل الثورة كانت هناك فصائل إسلامية صمدت على مواقفها ببطولة وبسالة وتعرضت لكل صنوف التنكيل علي يد نظام مبارك، وتلك حقيقة، وكانت هناك فصائل إسلامية انشغلت بقضاياها التي ترى فيها خلاص المسلم ونجاته فركز البعض على اللباس القصير واللحية وآداب دخول الحمام والاستنجاء وكيف أنه يجب الدخول بالرجل اليسرى، وكيف يضيق المسلم الحق على غير المسلم الطريق وكيف يرد إذا حيَّاه غير المسلم، وكان البعض من هذا التيار أو ذاك يتحف الناس بين حين وآخر بفتوى يندى لها جبين سائر المسلمين خجلاً وعارًا، كفتوى إرضاع الكبير ومن تطبيقاتها أن زميلة العمل يمكن أن ترضع زميلها فيصبح محرمًا عليها بالرضاع وهكذا تحل لهما الخلوة وحدهما في مكتبهما المشترك باعتبارهما أخوين من الرضاعة!.

 

وهناك صاحبنا الذي أفتى لولي الأمر بأن يقتل البرادعي وبعض المعارضين باعتبارهم من مثيري الفتنة الخارجين على ولي الأمر!، وهو ما زال إلى اليوم يبدو في نفس صورته القديمة وقد وضع يده على خده مطلقًا الفتاوى، وكان آخرها يحمل إهانة للمصريين وأنهم يحتاجون أوصياء عليهم!!.

 

وهناك مَن يتكلم إلى اليوم كلامًا يجوز في باب النوادر المضحكات كتحريم الديمقراطية باعتبارها بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، هذا بينما كانت لدى سيدي عمر بن الخطاب القوة والثقة حتى إنه أوقف العمل بآية الغنائم ولم يعد يعطي منها المؤلفة قلوبهم بينما النص القرآني الصريح القاطع يعطيهم سهمًا منها، ولو عاش ابن الخطاب اليوم لكان أول مَن ينادي بالديمقراطية وهو مَن كان يطبق في الإدارة أرقى ما وصل إليه العلم على زمانه من نظم.

 

كان هناك من التيارات الإسلامية من حرَّم الخروج على الحاكم وإن جلد ظهور المحكومين وسلب مالهم.

 

ولسنا في مجال التأريخ للثورة المصرية، ولكن من الحاضر في الذهن اليوم بجلاء كيف قامت الثورة ومن بادر إلى المخاطرة ومن حمى الثورة فعلاً في لحظات الخطر، ومن تردد ومن تلكأ ومن لعب على كل الحبال، ومن حاول نيل أي قدر من الغنيمة قبل سقوط مبارك.

 

وربما اختلفت التقريرات حول أدوار بعض القوى، ولكن من المسلَّم به تسليمًا قاطعًا أن بعض التيارات الدينية الإسلامية كانت غائبة عن الساحة بشكل عام ولم نسمع لها صوتًا إلا بعد أن لاحت بوادر الغنيمة المرتجاة!.

 

اليوم نشهد على الساحة خطابًا دينيًّا يتسم بعضه بغرابة شديدة حتى على المسلمين أنفسهم، فنسمع من يتكلم عن جواز زواج المسلم من الجانِّ والعفاريت، ومَن يتكلم عن مدى شرعية أكل المسلم لحم العفاريت، وتلك أقوال مهينة للعقل، فضلاً عن كونها مثيرة للضحك والسخرية ولنا أن نتصور مطعمًا كتب على لائحته (كباب الجن وكفتة العفاريت!!)، ومن يتكلم عن الجزية الواجبة على النصارى وهو قول مهين لجميع المصريين، فكل أبناء مصر يدافعون عنها كتفًا إلى كتف لا فرق بينهم بسبب الدين، وقد ارتبطت الجزية بظروف انتهت من العالم كلّه منذ قرون عديدة، ولكن البعض يصمم على بث نار الفرقة، وربما كان من المؤسف أن أكثر من يصبون الزيت على النار هم من لم نسمع لهم أي صوت معارض لموبقات زمن مبارك ولا تعرضوا لمحن ولا خطوب وإنما طلبوا أمان أنفسهم ثم لما انقشع الشعور بالخوف ظهروا ليبثّوا الفرقة ويتبنوا خطابًا مثيرًا للفزع!.

 

لقد توحدت الولايات المتحدة وهي خمسون ولاية تضم كل أجناس الأرض وكل دياناتها تحت راية الديمقراطية وتكافؤ الفرص وتشجيع البحث العلمي حتى داس بعضهم بقدمه على سطح القمر منذ أكثر من أربعة عقود، واليوم يرسلون سفن فضائهم إلى كواكب أخرى بينما ما زال بعضنا غارقًا ويريد أن يغرقنا معه في حكايات أمنا الغولة والعفريتة التي يجوز الزواج منها وإنجاب البنين المهجنين!.

 

إن الإسلام دين وعي ويقظة ونهضة يحث على طلب العلم من أي أرض كانت، وهو في الحقيقة ثورة يقظة على الظلم بكل أشكاله ودعوة إلى عمارة الأرض وإلى المساواة بين البشر فكلنا لآدم وآدم من تراب، ولكن البعض لا يزال مصممًا على استنساخ دين استرخائي فلكولوري يثير بعض أتباعه الدهشة والتندر بغريب القول وعجيب الفتاوي وإلباس النزوع إلى التخلف ثوبًا إسلاميًّا، وفي هذا السياق نذكر أن بعض المنتسبين إلى العلم الديني الإسلامي قد حرم ركوب الترام عند ظهوره وكان بعضهم يعير البعض بركوبه، ويعتبر ذلك نوعًا من الفسق!.

 

إن الأمم تنهض بالوحدة الوطنية وإيجاد صيغ حياة تحشد طاقات الجميع لخدمة الأوطان، وتحول تمامًا دون تقاتل أبناء الوطن الواحد، وليس معقولاً ولا مقبولاً أن يرقد البعض سنينًا طوالاً تحت طيات ظلال الصمت مسترخيًّا طلبًا للأمان ثم فجأة وبعدما يزول الخطر يهل علينا جيش من كل صوب وحدب ليثيروا الفتن ويجرونا جرًّا إلى عوالم تجعلنا أضحوكة بين الأمم!!.