1- مدخل.. حاجتنا إلى شيء من التفكير الهادئ
ليس مبالغة إن قلنا: إن مصر اليوم تمر بمرحلة فريدة من حياتها، وإن هذه الفرادة المميزة لهذه الحقبة من عمر مسيرتها تحتاج إلى التساند والتعاضد والتكاتف من أجل العبور الآمن إلى مرافئ الاستقرار والأمان اللذين هما التهيئة اللازمة للنهضة المرجوَّة المأمولة.
ولن نصل إلى شيء من هذا من دون تفكير هادئ يستجمع ملامح المشهد، وينعم في تحليله، وقراءته، وفحص مفرداته؛ سعيًا إلى التوافق الوطني، وتجاوز علامات الصراع، والتجاذب المعوق.
ومن هذا الباب فإن التيار الإسلامي، وتعيينًا الشريحة الضخمة من جسمه ممثلة في المنتمين فكريًّا للإخوان المسلمين عليهم عبء كبير، واجب الأداء لعموم الجماهير المصرية على اختلاف أطيافها، وتنوع أصواتها.
وهو المسئول مسئولية وطنية وأخلاقية أن يأخذ زمام المبادرة توجهًا نحو آمال المصريين، وهمومهم، وهو ما يعني في المقابل ضرورة التحلي بأكبر قدر من التفكير الهادئ في طرحهم، والتجاوب معها من غير توجس، أو ارتياب، أو اتهام للنيات.
إن التفكير الهادئ هو الدعوة الملحة، والضرورة الوقتية لتجاوز آثار التشويش، والتشويه، والصخب الذي يمارس بانتظام تام تجاه أفكار التيار الإسلامي، ورموزه، وتاريخه، وتجاربه.
وفي هذا السياق أرجو أن نعيد تأمل مجموعة من العلامات التي تعج بها الساحة إعلاميًّا وسياسيًّا.
(2) هل هو صعود مفاجئ أم استحقاق طبيعي؟!
ينتشر انتشارًا ظاهرًا التعبير عما حازه الإخوان المسلمون حتى الآن في الانتخابات النيابية بأنه الصعود المفاجئ، وهو أمر لنا عليه تعليق نابع من الالتزام بما دعونا إليه في المدخل هنا، ذلك أننا نرى هذا الصعود استحقاقًا طبيعيًّا ما دام قد حوصرت علامات ظهوره، وتعويقه، والشغب عليه؛ ذلك أن الواقع الاجتماعي ينتج أن تيار الإخوان هو المرآة المعبرة عن وسطية الفكرة الإسلامية، وتسامحها، ومرونتها، وإيمانها بالخيار السلمي في التغيير، وبالتدرج في الإصلاح، وهي مجموع ما تتمتع به الفكرة الإسلامية في مصر على امتداد التاريخ هذا جانب.
ومن جانب ثانٍ فإن التجربة العريقة الممتدة للإخوان المسلمين بما هو أقدم تيار إسلامي شامل اشتبك مع الواقع المعاصر، وتعاطى مع مشكلاته أظهرت استحقاقه بالصعود في أول تجربة حرة حرية شبه كاملة، وهو الصعود الثاني في أقل من عقد واحد، بتحكيم نتائج المرحلة الأولى في انتخابات النيابية سنة 2005م
ومن جانب ثالث فإن استمرار عطاء جماعة الإخوان الاجتماعي المتنوع، وفي ظل ظروف بالغة الصعوبة والقسوة، وفي ظل ضراوة المطاردة والتضييق والملاحقات الأمنية أكسبهم في الوعي الجمعي مصداقية حقيقية، وضعت فكرتهم الخيرية على المحك التطبيقي.
ومن جانب آخر فإن تجاربهم في قيادة مناطق متعددة في العمق المصري في النقابات المهنية، وفي الجمعيات الأهلية (فروع الجمعية الطبية الإسلامية، ومدارس التربية الإسلامية) على سبيل (المثال) أهلتهم لهذا الصعود الذي لا يصح بحال التعبير عنه بأنه مفاجئ، والأوْلى إعمالاً للتفكير الهادئ أن نقرر أن صعود الإخوان المسلمين يمثل استحقاقًا طبيعيًّا ومنطقيًّا ومتوقعًا.
(3) مخاوف النخبة: مقال في خطاب الاعتراف والتقدير!
والتفكير الهادئ يدعونا إلى أن نقف أمام مخاوف النخبة، وقطاع لا بأس به من المجتمع المصري، ربما يصل إلى نحو من خمس عشرة في المائة، بحساب ما حازته الكتلة المصرية، وبعض جماعات الليبراليين واليسار، وبعض المستقلين متأملين.
ومن الحق أن نقرر أن المخاوف مقدرة، وتشغل حيزًا كبيرًا من تقدير بواعثها، وأسبابها، شريطة أن نتفق جميعًا أن المخاوف المقدرة، التي تحتاج إلى تفهم الإسلاميين، هي تلك المخاوف الطبيعية التي تواجه الإنسان بسبب طبيعي من ظروف المرحلة، وعوارض الانتقال من ظروف إلى ظروف أخرى، أما التخويف، أو تعمد بث الخوف في نفوس الجماهير من علامات الصعود التي حازها التيار الإسلامي، فهو أمر ربما أمكن وصفه بالمَرَضي، أو التآمري، أو الإقصائي.
الفكرة الإسلامية ترعى المخاوف الطبيعية، بل إن أعلى نصوص المرجعية الإسلامية وهو القرآن الكريم يقرر أن فريقًا من الأنبياء نسب إليهم الذكر الحكيم الخوف في سياق يحنو على إنسانيتهم، ويقدر هذا منها، يقول تعالى: (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)) [سورة طه].
وهذه المنهجية هي المنهجية الواجبة في مواجهة المخاوف الطبيعية وأتصور أن المخاوف الطبيعية لدى النخب وبعض قطاعات المجتمع يمكن أن تتوزع على ما يلي، مع ملاحظة أن الفكرة الإسلامية في الصورة الإخوانية تملك رصيدًا حقيقيًّا من التاريخ، والتجربة، والأدبيات والممارسات العملية قادرًا على تبديدها، أو نقلها من المركز إلى الهامش:
أولاً: مخاوف عدم التسامح:
والفكرة الإسلامية تملك في هذا السياق تاريخًا ممتدًا عاملاً فيه المسلمون خصومهم وأرجو أن يفحص المتخوفون أنهم ليسوا خصومًا– بمنتهى التسامح، والتعايش، والقبول؛ وليس أدل على ذلك من موقف الجماعة المسلمة الأولى بعد فتح مكة من جموع المكيين، ومن مواقف العفو المتكررة في حق الذين ناصبوا الإسلام العداء والمواجهة، ولا أعرف تورط الإخوان المسلمين في تكفير أي من خصومهم مهما كانت درجة الخصومة، في أي مرحلة من مراحل التنافس أو الصراع.
ثانيًا: مخاوف الإقصاء والاستبعاد والمحاصرة
والفكرة الإسلامية في فهم الإخوان وتطبيقاتهم في الواقع المعاصر تملك أدلة ذائعة الانتشار قادرة على تبديد أي مخاوف تتعلق بهذا المنحى، ولعل في الملامح التالية ما يدل على ذلك:
1- مشاركة عبد الله بن أريقط في إنجاح مهمة الهجرة.
2- العيش الواحد بين المسلمين وغيرهم في أول دولة في المدينة المنورة.
3- تحالف الإخوان قبل ثورة 25 يناير مع فصائل سياسية واجتماعية مختلفة، والتعاون مع المسيحيين في العمل الوطني والسياسي.
4- تحالف الإخوان بعد ثورة 25 يناير مع أحزاب سياسية، وترشيح مسيحيين على قوائم حزبهم.
فهذه العلامات الأربعة مجرد أمثلة على امتلاك التصور الإسلامي لدى الإخوان أدلة تبدد المخاوف المتعلقة بالإقصاء والاستبعاد والمحاصرة، لا سيما وأن الإخوان هم أكثر من عانى من الإقصاء والاستبعاد والمحاصرة، وما فوقها جميعًا.
ثالثًا: مخاوف الاستفزاز والتشويه:
والتصور الإسلامي أيضًا يملك في رصيده النصوصي والواقعي ما يبدد هذه المخاوف التي قد يتصورها بعض النخب المختلفة، وفيما يلي أمثلة دالة على ما نقرره:
1-المنظومة الأخلاقية في التصور الإخوان متسمة بالثبات، بمعنى أن الأمانة، وعدم اتهام الهيئات أمر مستقر في التعامل مع الناس جميعًا.
2- النهي الصريح في القرآن الكريم عن سب معتقدات الآخرين، يقول تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الأنعام: من الآية 108] وهذه منزلة بعيدة في رفع السقف في مواجهة المختلفين مع الإسلاميين، يبعث على الارتياح والطمأنينة.
3- الإسلام يأمر بتقدير الوضع المجتمعي المستقر، ويرعى أن التغيير يحتاج قدرًا كبيرًا من التدرج، وأن المنهجية الإخوانية لا تعرف التغيير المفاجئ، أو القسري ولعل في رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة، وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام، رعاية لمخاوف مجتمعية طبيعية ما يبعث على طمأنة المخاوف الطبيعية في مصر في هذه المرحلة.
إنني أستطيع أن أقرر أن الإخوان يعترفون بالمخاوف الطبيعية ويتقدمون خطوة نحو تقديرها، ثم إنهم سيتحركون إيجابيًّا نحو تبديدها، وإشاعة أجواء الاطمئنان في مواجهتها.
على أنه من المهم جدًّا أن يستقر أن الفكرة الإسلامية تعرضت على امتداد ما يزيد على قرنين كاملين للتشويه، والتشويش بسبب من أمور كثيرة أسهم الغزو الأجنبي بحظ وافر منها.
(4) بعيدًا عن التاريخ، واقترابًا من التجربة المعاصرة:
وإذا كان التاريخ يمدنا بما لا يحصى من أدلة استيعاب الفكرة الإسلامية للمخالفين لها، وقدرتها المذهلة على تقدير المخالفين، وتقدير منجزهم الحضاري، فهو ليس صوتًا فريدًا منقطعًا، وإنما تمدنا التجربة الإخوانية المعاصرة بما يبعث على الاطمئنان بشكل ظاهر جدًّا.
لقد برهن الإخوان بما قدموه في التجربة المعاصرة على أنهم قادرون على تحقيق التوافق مع الجماعة الوطنية.
وبرهنوا على وعيهم بطبيعة الحريات الشخصية، والذهاب بعيدًا في تقديرها واحترامها، إلى آفاق ربما تكون مذهلة، حتى صح عن بعض منظري الفكرة الإخوانية إلى حرية الكفر ما لم يهدد النظام العام!.
وبرهنوا على وعي بطبيعة الإبداع الأدبي والفني، وعلى تفهمهم للحرية في إطار التقاليد الفنية والأدبية، وأنهم يملكون رصيدًا ممتدًا في هذا المجال شعريًّا وروائيًّا ودراميًّا ومسرحيًّا.. إلخ.
إنني لا أبالغ إن قلت إن كثيرًا من المخاوف مع تقديرنا لها، وتعاطينا مع ما من شأنه أن يبددها بحق، لا يمكنه أن يصمد في مواجهة التفكير الهادئ الذي يستجمع عناصر التاريخ والتجربة والممارسة والاختلاط.
مصر في حاجة إلى تكاتف الجماعة الوطنية، ولا يصح لمخاوف غير حقيقية، وإن تكن طبيعية ومقدرة أن ترسخ للتوجس الزائف من عصب التكوين بحساب الإحصاء للجماعة المصرية.
عاشت مصر بكل أبنائها ولكل أبنائها.
--------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية.