الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالحات، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو عزُّ كل ذليل، وقوّة كل ضعيف، وغوث كل ملهوف، وهو ناصر كلّ مظلوم، ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا وزعيمنا محمد بن عبد الله، أسْلم النّاس صدرًا، وأزكاهم نفسًا، وأحسنهم خُلُقًا، وبعد:
فلا شكّ أننا جميعًا نحتفي ونحتفل في هذه الأيّام بالديمقراطية والحريّة التي نالها الشعب المصري؛ خاصة أنه صار يمارس حقَّه في اختيار من يمثله في مجلس الشعب والشورى والانتخابات الرئاسية، فقد صار له رأي وصوت حقيقي غير مزيف، بعد زمن صمتت فيه الألسنة قسرًا وقهرًا عن أن تعبّر عمّا تريد.
غير أن القلب يملؤه حزن وأسف وأسى على حقيقة الوضع والجميع يمارس سياسة الآن، أحزابنا الإسلامية وغيرها، الجميع بدأ يشارك في بناء مصر وبناء الوطن وفق رؤى سياسية واقتصادية وأمنية وتنموية لا نشكك فيها ولا نخوّن ولكننا اكتشفنا ونحن في أول سنة سياسة وديمقراطية أخطأنا وتجاوزنا خطوطًا ما كان يتخيلها العقل، من تشكيك بعض التيارات في بعضها، والإيقاع بين الأطياف السياسية- وللأسف- والإسلامية، مع أنّ الجميع من إسلاميين وليبراليين وعلمانيين، الكل يدعو ويدّعي أنه يعمل للوطن، ويا ليتنا نرى أثر هذه الادعاءات على أرض الواقع اليوم.
وحتى نضع النقاط على حروفها، لا بد أن نتعلم السياسة والسياسة صنعة لها مهارات وآداب، ومن جرّب يعلم ما أقصده، لا سيّما وأنّ من يجرّب من جديد اليوم يكتشف أن هناك أمورًا تحدث بخلاف ما تعلّمه ودرسه في العقيدة والآداب والأخلاق والفقه وفي علم السلوك.
*****
مارسوا السياسة...لكن: بآدابها
لا يمنع مصريّ وطنيّ في بلده من أن يمارس السياسة وأن يعمل بها؛ فالمسألة ليست حِكْرًا على أحد ولا على حزب معين، لكن ما نطلبه ويطلبه الشعب المصري، بل وما تفرضه الأعراف والعادات والتقاليد- وقبل ذلك كله، ما يفرضه الدين- أن يكون هناك أخلاقيات لهذه الممارسة وإلا كانت ممارسة باطلة زائفة خائنة لله وللدين والوطن، وقد رأيت حدوث خلل واضح في ممارسة الكثيرين للعمل السياسي، مما يلزم معه أن نتحدث الآن حول أخلاقيات وآداب ممارسة هذه السياسة، ونجاح الوطن مرهون بأخلاقه وآدابه؛ فالأمة التي تترك أخلاقها جانبًا- بحجة أنها سياسة وأنها لعبة قذرة وليس لها علاقة بالأخلاق- مكتوبٌ لها الفشل، وصدق من قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وكم أتمنى أن تمثّل هذه الأخلاقيات التي سنذكرها هنا ميثاقًا للعمل السياسي، ومن بين هذه الأخلاقيات ما يأتي:
1. أصحاب الغايات النبيلة لا يستخدمون إلا الوسائل النبيلة
دعونا من نبرات التشكيك والتخوين، دعونا نحسن الظنّ في أن من يتصدّر- اليوم- للعمل السياسي في مصر كلهم أصحاب غايات نبيلة، لكن أصحاب الغايات النبيلة يجب ألا يستخدموا إلا الوسائل النبيلة التي تتناسب مع غايتهم... أليس كذلك؟!!
فلا الرشوة ولا شراء الأصوات ولا التشكيك ولا الغيبة ولا النميمة ولا تقطيع دعايات البعض، أو التخوين في فصيل دون فصيل أو حتى مبدأ التخوين نفسه، كل هذه ليست بوسائل شريفة، يرضاها أحد عنده ذرة من إنسانية أو إسلام أو كرامة أو وطنية.
2. ألا تكون نية الممارس للسياسة التنافس على مناصب الدنيا، أو الحصول على مكسب مادي:
فمن يريد أن يمارس السياسة يجب أن يحدِّد غايته وأهدافه من تلك الممارسة: هل يريد الشهرة؟ هل يريد المال؟ هل يريد المكانة العالية بين الناس؟ أم هل يريد وجه الله تعالى وخدمة وطنه وأمته؟!!
إن الترشّح للعمل النيابي أو تولي أي منصب، ليس شرفًا يحوزه الإنسان بقدر ما هو تكليف ومسئولية؛ سيحاسب عليها من قبل ربه الذي خلقه ومن قِبَلِ الناس من حوله يومًا من الأيام؛ خاصّة وقد رأينا مسئولين يحاكمون ويحاسبون، حتى وإن أفلتوا في الدنيا من المحاكمة والعقوبة فيكفي أنهم سيقفون جميعًا أمام الله ويقتص من الظالم: لِمَ لَمْ يقم بمسئوليته على وجه يرضي الله ورسوله؟.
3. أن يُطَوِّر ممارس السياسة من نفسه مهاريًّا وسياسيًّا.
إنّ من يقف عند حدٍّ معين؛ يظن أنه ملك الحق المطلق والخير المطلق والوسائل كلها في الوصول لما يريد، فقد أخطأ، أو يظنّ أنه لا يحتاج إلى تطوير ولا إلى خطة فقد أساء عملاً وفهمًا؛ لماذا؟
لأن الحياة تتطور، والناس يطَوِّرون أنفسَهم، فيجب على من يمارس العمل السياسي أن يتطوّر مهاريًّا وتنمويًّا: يعرف كيف يتكلم، كيف يحاور، كيف يستمع، كيف يناقش، كيف يصبر ويتحمّل عند النقد؟ وإلا فإنه سيفشل سريعًا ويكتب له ولفكرته الاندثار، خاصّة في زمن امتلأ بكثير من النقّاد، الذين لا تقع أعينهم إلا على الجُرح كالذباب- وللأسف الشديد-.
وأقول هذه الكلمات لهؤلاء الذين يتصدّرون الشاشات والجرائد حديثًا وحوارًا ومناقشةً، وافتعالاً لأزمات وانفعالاً بهوى وعصبية، تقع أعينهم على السلبيات فقط، وإذا رأوا شيئًا إيجابيًّا يحدث تغافلوا عنه، كما رأينا في الانتخابات: ظهر عدد كبير من الإعلاميين ومن يسمون أنفسهم بالنخبة فتخوّفوا من الإسلام والإسلاميين، وأخذوا يشككون في قدراتهم ويخيفون الناس منهم، وما القنوات المأجورة عنا ببعيد!!
4. ألا ينافس ممارس السياسة في منصب من هو أكفء منه ويراه صالحًا لهذا المنصب:
لا أقصد بذلك ألا يعمل من يريد السياسة، ولكن ينبغي أن يتعاون مع من يرى فيه أنه أصلح لمنصب معين، ويتعلم معه أمور السياسة ثم يمارسها بتميز وقد استفاد من خبرات من سبقه، وهذا مبدأ تلاحظه في حياة رسولنا محمد وأصحابه، كما تعلّم عمر من أبي بكر يوم الحديبية، وقال له: الزم غرسك يا عمر!!.
لا مانع من أن يمارس جميعنا السياسة، ولكن ندع الفرصة لمن يحاول الإصلاح ونعرض عليه أفكارنا ونقف معه جنبًا إلى جنب، يدنا بيده، سواعدنا بسواعده، أفكارنا مع أفكاره، عقولنا مع عقله؛ لأن الهدف واحد، والحلم واحد.
5. أن يتعاون مع غيره ممَّن يحملون نفس الفكرة ونفس الهدف، ولا يجعل من نفسه عدوًَّا أو عائقًا له:
من يوم أن حدثت الثورة المصرية، وبدأ الجميع يشقّّ طريقه نحو الحرية وتأسيس أحزاب وتكوين أفكار وبرامج، شعرنا بأن مصر لديها من الطاقات والإمكانات ما يمكن أن تبني به نهضة وتؤسس به دولة مستقرة، بل وتبني أمة متقدمة وناهضة.
ومعلوم لدينا جميعًا أن اليد الواحدة لا يمكنها أن تبني بمفردها- ويوم أن انفرد حزب بالحياة كلها فشل وأفشل الحياة، وما كانت له نية البناء أبدًا؛ بل كان يريد شهوة نفسه فقط وقد رأينا ذلك في عهد المخلوع-.
ومن هنا فإننا ندعو جميع أبناء هذا الوطن وكل محبي هذه البلدة، أن تتضافر جهودنا للبناء، نعلم سويًّا وفق القواسم المشتركة بيننا، مصداقًا لقول ربنا: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)) (المائدة: من الآية 2).
6. الالتزام بأدب الخلاف مع الالتزام بالصدق وعدم الكذب وعدم تجريح المخالفين:
إننا في عصر الحرية!! وهذا يعني أنه لا بد من ترك الكذب والنفاق، كفانا تجميلاً لصورة الباطل وأهله، فإنه إذا كان ربنا قد منَّ علينا بالحرية فلنستغل الفرصة في قول الحق وعدم الرهبة من الحديث الصادق، ولنتربى على هذا الخُلُق، وأن نقدّر كل إنسان أيًّا كان دينه أو انتماؤه أو فكره، طالما أنه إنسان فله حق الاحترام والتقدير.
وللأسف الشديد؛ فلقد تصوَّر البعض أن الحرية تعني أن نَسُبَّ الآخرين، أو أن نعتدي عليهم بالكلام والفعل، وهذا فهم وتصور خاطئ بكل تأكيد؛ فلم تكن الحرية ولا السياسة المؤَدَّبَة يومًا شتمًا أو سبًّا أو لعنا؛ فالمسلم الحق والإنسان الصحيح، هو صاحب الأخلاق السامية في كل زمن وفي أي ظروف!.
وأقول هذه الكلمات لمن استغلوا زمن الحرية في سبِّ الناس وتجريحهم.... اتقوا الله!!
والمعلوم - أيها القارئ الكريم- أنَّ العبد مؤاخذٌ بلسانه وكلماته، فاحرص أخي الحبيب في زمن الحرية على حفظ لسانك وعفته عن قولة الحرام وتجريح الآخرين؛ قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق).
إنها دعوة في أول سنة حرية، وفي أول مرحلة من مراحل ممارسة العمل السياسي ومع الانتخابات أن نصدق القول، وأن تعفّ ألسنتنا عن التعرّض للآخرين في أخلاقهم وأعراضهم وأفكارهم، وأن نقول الحق ولو كان على أنفسنا، قال تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)) (المائدة: من الآية 8)، وقد أساءني كثيرًا يوم أن رأيت وسمعت نائب رئيس حزب- على إحدى القنوات- يتعرّض لحزب آخر بأنه حزب مبنيٌّ بأفراده على الهوى وعدم الأخلاق... أيعقل أن تكون هذه هي أخلاق الذين يمارسون السياسة في بلد إسلامي، وفي بلد يشقّ طريقه نحو الاستقرار والحياة النقيّة والنظيفة.
7. تجميع الجهود والقلوب لا تفريقها:
ما أحوجنا اليوم في زمن الحرية وممارسة العمل السياسي، وبعد زوال زمن كانوا يستخدمون فيه الفزاعات من جماعات معينة إسلامية، آن الأوان أن تجتمع الجهود وأن نجمع ولا نفرق.
وتلك دعوة لكل خطباء الأمة ودعاتها أن يجمعوا بين أفكارهم ومبادئهم وأن يجمعوا مريديهم على كلمة سواء؛ فإذا كان الله تعالى في كتابه ذكر على لسان نبي الله عيسى دعوته لأهل الكتاب أن يأتوا إلى كلمة سواء، فمن باب أولى أن تكون الأمة الراشدة وفي زمن الحرية التي غابت فترة طويلة.
نتمنى أن يتحدث دعاة الأمة باسم الإسلام، لا باسم السلفية والإخوان والصوفية، والجماعة الإسلامية، نريد أن تجتمع كل هذه الجهود والحركات بأتباعها وأبنائها.
وإذا كان النظام السابق يروج للفتن بين جماعة وجماعة فلا بد اليوم أن تجتمعوا يا آباءنا في الدعوة والدين، ويا إخواننا في الدين والوطن.
إلى الذين يزرعون العداوات بين الناس، وإلى هؤلاء المروجين للشقاق والنزاع بين التيارات العاملة على الساحة، وإلى الذين يتفننون في ابتكار وسائل الإيقاع بين الخلْق: احذروا فالله غالب على أمره، وسيفضحكم، فاحذروا وانتبهوا.
8. العمل على خدمة المصلحة العامة لا المصلحة الحزبية الخاصّة والرضا بالديمقراطيّة:
وهذا الأدب إنما هو أدب أخلاقي وضابط إنساني في التعامل مع الوطن والمواطنين، فما قامت فكرة ولا أنشئ حزب إلا لهذه الغاية، والذي يجب معه أن نفهم ما هي الوسيلة؟ وما هو الهدف؟ وينبغي أن يقوم كل حزب وكل جماعة- خاصة في هذه المرحلة الحرجة وفي المراحل المقبلة- بتغليب مصلحة الوطن في القضايا المختلف فيها؛ حتى نضمن الاستقرار والانتقال إلى بلد آمن مطمئن.
كثيرًا ما سمعنا عن إعلاميين يحبون الديمقراطيّة، وكنا نسمعهم يتحدثون عنها أنهم هم ناصروها ومحبوها لا غيرهم، فلمَّا اختار الشعب بكل ديمقراطية في الانتخابات من يمثله، قاموا هم بأنفسهم يسبون ويلعنون في الديمقراطية ويكفرون بما قالوا سابقًا.
لا بد أن نكون صادقين مع أنفسنا قليلاً أيها الناس، ولنركّز على مصلحة الوطن، ولنرضى بما يريده الشعب ويختاره.
وعند هذا القدر أكتفي سائلاً المولى سبحانه أن يجنّب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع بين القلوب والأفئدة على هدف واحد وغاية واحدة، ونسأله عز وجل أن يولي أمورنا خيارنا وأن يرفع قدر مصرنا بين الآفاق، وأن يُبْدِلَها من بعد الظلم عدلاً، ومن بعد الفساد صلاحًا، ومن بعد الخوف أمنا وأمانًا، ومن بعد الفُرْقَةِ والعداء وحدة وإخاء..... يا رب العالمين.
والله ولي التوفيق.
---------------
* مدرس مساعد بجامعة الأزهر، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين