أحمد- أمريكا

السلام عليكم..

أنا أعمل في إحدى الدولة الأجنبية، ويلزمني الزواج لكي أحصل على إقامة، وحتى لا يضيع جهد عامين كاملين، وزوجتي وبناتي في مصر أحبهم حبًّا شديدًا، وهناك خوف شديد لدي من تربيتهم هنا؛ حيث الانفتاح غير المحدود والبعد عن كل القيم والتقاليد الإسلامية.

 

فماذا أفعل؟ هل أتزوج أم لا؟ وإذا حدث هل أجلب زوجتي وبناتي؟ أم أتركهم وأزورهم مرتين أو ثلاثة في العام؟.

 

يجيب عنها: الدكتور أسامة يحيى، الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد؛
فإنني أعلم يا بني أن العيش قد ضاق بالكثير من الشباب ببلده مما ألجأه إلى العمل ببلاد أجنبية سعيًا وراء الرزق، كما أعلم وطأة المشاكل التي يعاني منها من يوجد في بلد أجنبي بطريقة غير قانونية، وأعلم قدر الظلم في تحصيل الأجر الذي قد يتعرض له من يعيش بهذه الطريقة غير القانونية، وأعلم قسوة الضغوط النفسية والاجتماعية التي تعتصر المتزوج المغترب والتي لا يعرف قدرها إلا من ذاقها وتجرع مرارتها، وأعلم قدر ما أصابك من حيرة وسط هذه الخيارات المتعددة والتي أحلاها مر.

 

ولكن، دعنا نحسبها معًا جيدًا ونبدأ الموضوع من أوله..

إن الثقافات السائدة بين الناس الآن تجعل الرجل الذي يريد الزواج بامرأة ثانية ينقب عن سبب يقوله للناس حتى يبرر رغبته في التعدد، تجعل الرجل يلف ويدور، يتهم ويلفق، يراوغ ويكذب، يكتم ويتكتم، وكأنه يرتكب جرمًا، وهذا خطأ كبير، فمن ينوي الزواج بثانية لا يجب أن يحاول اختلاق مبرر، فالزواج بثانية وثالثة ورابعة لا يحتاج إلى تبرير، فتعدد الزوجات أجازه الشرع حتى دون أن يكون هناك سبب يجب ذكره أو حتى سبب يستحق الذكر، شريطة العدل بين الزوجات، وهذا أصعب ما في الأمر، كما لا يجرؤ أحد أيًّا كان على انتقاد تشريع تعدد الزوجات ولا التطاول عليه؛ لأنه شرع الله- تبارك وتعالى- المأخوذ من كتاب الله- عز وجل- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الخالق البارئ المصور الرحيم العليم الذي شرعه أدرى منا بما يصلحنا وأرحم بنا من أنفسنا، لا يجرؤ أحد أيًّا كان على أن ينكر أهمية تعدد الزوجات في بعض الأحيان بل وضرورته في أحيان أخرى، وأنه قد يكون رحمة للنساء قبل الرجال، ورحمة لمجتمع طغت فيه نسبة النساء على الرجال فازدادت العنوسة وتركت الأرملة والمطلقة بغير زوج يرعاها ويصونها وتعيش في كنفه وتتمتع بدفئه ورعايته.

 

ولكن، يا بني، يجب تذكرتك ببعض الأمور التي قد تغيب عنك تحت وطأة ظروف الغربة وقسوتها:

أولها: أن الزواج بثانية يعني ارتباطًا بامرأة برباط مقدس، ارتباط يمنحها كل حقوق الزوجة كاملة، وليس مجرد اتخاذها معبرًا لهذا البلد الأجنبي وجباية أجر عامين، الزواج ثانية يعني فتح بيت جديد وتربية أبناء جدد، يعني إنفاق مال وبذل جهد، يعني نسبًا جديدًا ومصاهرة جديدة، يعني التزامًا بمسئوليات جديدة وتحمل رهق تبعات جديدة، يعني العدل بين الزوجتين وأولاد الزوجتين، فالأمر ليس باليسر الذي تتخيله.

 

ومن هذا المفهوم المقدس للزواج أقول لك: بئس الزواج ثانية إن كان من أجل الحصول على إقامة في بلد أجنبي، بئس الزواج ثانية إن كان من أجل ألا يضيع جهد عامين، فليس من أجل هذه الأمور كان الزواج، ومن هذا المفهوم المقدس للزواج أسألك: أهانت عندك قدسية الزواج ليكون هدفك منه مجرد الحصول على إقامة واستلام أجر عامين؟ أتخاف على أسرتك من تربيتهم في أجواء البلد الأجنبي البعيدة عن القيم والتقاليد الإسلامية وأنت لا تقدم نفسك قدوة لبناتك بإهدارك قيمة الزواج وقدسيته؟

 

ثم، من هذه الفتاة التي ستقبل الزواج منك من أجل أن تقيم في بلدها وتتسلم أجر عامين إلا أن تكون من ذلك الصنف الذي يؤجر من أجل أداء خدمة؟، أهذا تسميه زواجًا؟، وأي بركة في الرزق ستكون على أعتاب هذا الزواج؟، في البلاد الأجنبية يكثر زواج الشباب المقيم بطريقة غير قانونية بأية فتاة تحمل جنسية هذا البلد، أيه فتاة، حتى يضمن الإقامة القانونية بها، إن الزواج بأية فتاة يا بني يعد مشكلة كبرى قد لا تدانيها مشكلة أخرى.

 

سأفترض يا بني أنك تريد زواجًا للمرة الثانية متكامل النواحي على سنة الله ورسوله، وستقوم فيه بما عليك كزوج خير قيام وستأخذ منه ما لك بما يرضي الله عز وجل، إن كنت تريد زواجًا على هذه الأسس فلا بأس مطلقًا، فأنت تريد أمرًا أجازه الشرع.

 

ولكن....

انظر إلى المغانم والمغارم من الزواج بثانية، انظر إلى الضرر الواقع على نفسية زوجتك وبناتك اللائي تحبهن حبًّا شديدًا وقارنه بالفائدة التي تجنيها من زواجك بثانية للحصول على إقامة ببلد أجنبي وأخذ أجر عامين، انظر إلى أنوثة زوجتك هل هي عندها ذات قيمة عالية، فإن كانت كذلك فسيصعب- أو قد يستحيل- عليها تقبل زواجك بثانية مهما كانت النتائج، مما قد يؤدي إلى انهيار بيتك، انظر إلى بناتك وقدر الدرس القاسي الذي سيتلقونه من زواجك على أمهن، فالبنت قد تغار على أبيها من أمها فكيف إذا جاء أبوها بامرأة أخرى؟ والبنت وهي تبني فكرتها عن مستقبلها الزواجي ترى أباها الذي يحب أمها هذا الحب الشديد يفعل ذلك بها فماذا سيكون مصيرها هي مع زوجها حتى وإن كان سيحبها حبًّا شديدًا؟ إنها حسابات كثيرة معقدة متشابكة، وليس مجرد الحصول على إقامة ببلد أجنبي واستلام أجر عامين.

 

وهذا عيب إقامة الرجل وحده بعيدًا عن زوجته وأسرته في بلد غريب، ستداعبه فكرة الزواج مرة ثانية ثم يبدأ في تخيل سيناريو وهمي لحياة جديدة مع زوجة جديدة شابة تعيد له الحياة والشباب ويعيش على أحلام يقظة فترة من وقت ثم قد يعمل عقله وعواطفه وتستهلكه حساباته ويكف عن الخوض في هذه الفكرة وينصرف عنها، أو، يشرع في تنفيذها.

 

وإني لأعجب من الزوجة التي تترك زوجها يعيش وحده في بلد أجنبي بعدما ذاق طعم الزواج ودفء الزواج وروعة الزواج، تترك زوجها محاطًا بالكاسيات العاريات يتجاذبنه ويتقاذفنه، تترك زوجها تعتصره غربته وحده ويتجرع مراراتها ومشاكلها وعقباتها ومصائبها وحده، فيضيق صدره ويتذبذب فكره ويتحرك قلبه وتنطلق جوارحه بما ليس في الحسبان، وهي هناك في بلدها وسط أولادها تنتظر منه إرسال ما يقتاتون به ويعيشون، كما تنتظر زيارته مرتين أو ثلاثة بالعام الواحد.

 

ثانيهما: يا بني، سواء تزوجت على زوجتك أم لم تفعل فلا أنصحك أبدًا بإبقاء زوجتك وبناتك بعيدًا عنك وحرمان نفسك منهن وحرمانهن منك، لا أنصحك باستقرارك وحيدًا هناك بالبلد الأجنبي، فرغم ما قد تتكبده من مشاق في إنفاق أو إقامة، ومشاق تربية بنات في بلد أجنبي تحت وطأة أجواء بعيدة عن القيم والتقاليد الإسلامية فاجتماعكم معًا أفضل كثيرًا من تشتتكم.

 

لقد ابتعدت عنهن ولم تحظ بقربهن وهن صغار بسبب سفرك، وستمضي بك وبهن الأيام وسيصبح من العسير عليهن قربهن منك وهن كبار بعدما يشققن طريقهن في الحياة مستقلات عنك، وكأنك حرمت نفسك من قربهن صغارًا وهن قد يحرمنك من قربهن منك كبارًا، ففقدت حلاوة شعورك بعاطفة الأبوة الرائعة وفقدن شعورهن بوجود حقيقي لأب لهن طوال حياتهن، فأي خسارة تعدل هذه الخسارة؟

 

إن تربية بناتك وهن في كنفك بالبلد الأجنبي حيث الانفتاح غير المحدود أفضل من تربيتهن في غيبتك بعيدًا عن عينك وقلبك وعقلك وساعدك، فزيارة المرتين والثلاثة في العام لا تكفي مطلقًا للقيام بواجباتك الأبوية والتربوية الكثيرة والثقيلة بطريقة وافية، وكلنا يعرف ذلك، وأحسب أنك بتركهن بمصر دونك وأنت في استطاعتك أن تضمهن إليك حيث تقيم بالبلد الأجنبي تكون قد أخطأت خطأً جسيمًا، خاصة أن المراكز الإسلامية أضحت الآن بأوروبا وأمريكا عطاؤها كثير وعددها وفير ويسهر على العمل بها المخلصون العاملون العالمون، فلن تعدم حيلة للوصول إلى مركز منها بإذن الله تعالى.

 

إن قيمة المكث مع زوجتك وبناتك يجب أن تعلو فوق أي قيمة، لقد تغربت وتعبت وقاسيت وحدك لتجلب لهن احتياجاتهن من الأشياء ونسيت أن لهن احتياجات فيك أنت، إن زوجتك وبناتك يردن منك أن تمكث معهن وقتًا لا أن تجلب لهن شيئًا، فبذل الأوقات لزوجتك وبناتك ولو كانت قليلة أولى كثيرًا من جلب الأشياء لهن ولو كانت ثمينة، فبقاؤك معهن أثمن ما عندك وعندهن، أثمن من أشياء تأتي لهن بها، فاحفظ هذه العبارة جيدًا، "بذل الأوقات أولى من جلب الأشياء"، فلا تستبدل بقاؤك الثمين معهن بجلب الشيء الزهيد لهن مهما كان غاليًا، إن هذا بيع الغالي بالرخيص، وكذلك يفعل الإنسان الجهول.

 

وإني لأعجب من ذلك الزوج الذي آثر أن يترك أسرته وعانى من غربة ليوفر لها عيشًا أفضل وحياة أرغد وتجاهل أن عيشه مع أسرته هو الأفضل وحياته وسطها هي الأرغد ولو على القليل.

 

كثيرًا ما ينسى الزوجان أن الله- عز وجل- خلقهما ليعيشا معًا، ويأكلا معًا، ويعملا معًا، ويخرجا معًا، ويناما معًا، ويلعبا معًا، ويتحملا معًا، ويربيا معًا، ويسعدا معًا، ويحزنا معًا، ويضحيا معًا، فإن معًا هذه تضفي على الحياة طعم الحياة.

 

كلا الزوجين نسيا أن الله- برحمته- خلقهما ليكونا متقاربين متضافرين متلاحمين منصهرين لا ليتفرقا عن بعضهما، ولا ليسلك كل واحد منهما سبيله بمفرده، ولا ليعيش كل واحد منهما حياته براحته، ولا ليحل كل واحد منهما مشاكله بطريقته، إن هذا هو جوهر الزواج وحلاوته.

 

يا بني، إن استطعت أن تقضي وقتًا قصيرًا قدر جهدك بهذا البلد الأجنبي ثم تعود إلى مصر حاملاً معك ما رزقك الله به لتعيش ببلدك وسط أسرتك فافعل، أما إذا عجزت وكان مكثك هناك بعيدًا عن أسرتك في تقديرك سيطول فارجع إلى زوجتك وبناتك ووضح لهن درجات الصعوبة التي تتلقاها بهذا البلد الأجنبي من إقامة غير قانونية وصعوبة حصولك على أجرك وصعوبة حياتك بمفردك، ارجع إلى زوجتك وبناتك ووضح لهن كم بذلت من جهود للبحث عن بدائل للإقامة بهذا البلد الأجنبي فلم تجد سوى حل واحد هو الزواج بثانية، وخيرهن بين أن يرضين جميعًا- بمن فيهم أنت- برزقك حتى ولو كان بسيطًا وأنتم معًا ببلدك مصر وبين أن تتزوج بثانية وتقيم معهن جميعًا بهذا البلد الأجنبي إقامة قانونية محققًا لهن ما يشتهين من العيش بمستوى أفضل، واضعًا نصب العين الشروخ وربما الصدوع المتوقع حدوثها بينك وبين زوجتك وبناتك اللائي تحبهن بشدة.

 

ثم، القرار في النهاية بيدك أنت، بعد استخارة الله عز وجل استخارة خالصة صادقة، وحساب المغانم والمغارم بما يرضي الله تبارك وتعالى، ورسم سيناريوهات مستقبلك الذي ينتظرك وأسرتك على صورتين؛ الأولى: مكثك وحدك بالبلد الأجنبي بعض الوقت ثم عودتك إلى مصر ومعك ما رزقت به لتبدأ من جديد ببلدك حياتك، وهذا في تصوري أفضل الحلول لمن هو في مثل حالتك، أو زواجك بثانية وجلب أسرتك إلى البلد الأجنبي مع توفير مناخ إسلامي حولهن. أما اقتراحك بزواجك ثانية بالبلد الأجنبي والاكتفاء بزيارة زوجتك وبناتك مرتين أو ثلاثة بالعام فأراه لا عدل فيه ولا خير من ورائه للأسباب التي ذكرتها آنفًا.

 

رزقك الله الصواب والرشد وشرح صدرك للعدل والحق، فهو على ذلك قدير وبالإجابة جدير.