الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله...
لم تكن أيامًا عادية تلك التي قضيناها في غزة، وقد حاولت مرارًا أن أستجمع أفكاري وذكرياتي لأكتب مشاهداتي فيها، وحقيقة إن الأمر ليس سهلاً، فالكتابة بحاجة إلى أديب وروائي وشاعر وقاص وصاحب فنٍّ وذوق، وهو ما لا أتمتع به من قدرات، ولكنني سأحاول أن أنقل تلك الصور الرائعة التي مرت بي، وأستعين بالله تعالى لأقربها قدر الإمكان للقارئ الكريم.
كانت ترتيبات قافلة (الربيع العربي) بالتعاون بين: رابطة علماء أهل السنة، والتي أتشرف بالانتساب إليها- وبين الحملة الأوروبية لكسر الحصار عن غزة، وكان برفقتي أخي وصديقي محمد النوباني؛ حيث حضرنا من الأردن كأعضاء في الرابطة للمشاركة في هذه القافلة.
في يوم الأحد 20/11/2011م طرنا إلى القاهرة، وما أدراك ما القاهرة، بلد تعيش مخاضًا شديدًا نسأل الله تعالى أن يسفر عن مولود صالح معافى، وبتنا في الفندق مع باقي الوفود القادمة من أصقاع شتى؛ من أوروبا وأمريكا اللاتينية، ودول عربية.
وفي صباح يوم الإثنين 21/11/2011م، توزعنا على الحافلات، وبدأت رحلتنا إلى غزة، وكان برفقتنا عدد من المشايخ الأفاضل من مصر الحبيبة، وهم: د. أحمد هليل، ود. خالد حنفي، ود. صفي عاشور أبو زيد، ود. أكرم كساب، وفضيلة الشيخ محمد عنتر، والأخ الأستاذ الفاضل محمد فاروق، إضافة إلى ضيف من الأردن، والباقي كانوا من الحملة الأوروبية، وعدد منهم من أصول عربية ويحملون جنسيات غربية، وبالطبع كان الدكتوران الفاضلان صفوت حجازي وصلاح سلطان يرافقانا بسيارة خاصة.
كان واضح جدًّا ما يشعر به ويجده الكل من شوق وحماسة للوصول إلى غزة، والكل يتحدث عن الأمر ويترقب أن يعانق هواء وسماء غزة، وأن يشرف بملامسة أرضها الطاهرة الطيبة.
ووصلنا إلى معبر رفح عند العصر، ونحن نود أن نسابق الزمن لنعبر الحاجز الذي يفصلنا عن أرض فلسطين المباركة، وبرغم أننا وفد رسمي إلا أننا تأخرنا في المعبر، وقد كان أخي محمد النوباني قد أخبرني بأنه رأى في المنام أنني أدخل أنا وهو غزة في الليل، فقلت له ونحن في المعبر.. يبدو أن رؤياك لم تكن صائبة تمامًا فها نحن ندخل وقت العصر، لكن بسبب التأخير لم ندخل إلا الساعة السابعة مساءً، فتحققت رؤياه.
وعندما ركبنا الحافلات وانتقلنا إلى الجانب الفلسطيني في غزة، وبدأنا ننزل لنتنسم عبير هواء فلسطين الحبيبة.. لم نتمالك أنفسنا، وذرفت العيون وتشابكت مشاعر الفرح والشوق والدهشة، هل حقًّا نحن في غزة؟ هل حقًّا وصلنا إلى أرض فلسطين.. هل هذه هي الأرض المباركة التي درج عليها الأنبياء والصالحون والشهداء.. هل هذه الأرض التي أُسْرِي بالنبي صلى الله عليه وسلم إليها؟.. يا الله.. ما أعظم هذا الشعور، وما أشد فرحتنا.. ولشدة قوة جذب هذه الأرض الطيبة.. ولشدة ثقل الأمر علينا.. ولشدة فضل الله عزَّ وجلَّ وكرمه لنا.. وجدنا أنفسنا نهبط بلا تردد لنسجد شكرًا لله تعالى على هذه المنحة الربانية.. ونبلل أرضها الطاهرة بدموع الشوق والشكر لله تعالى.
وكم أكرمنا إخواننا في غزة المباركة، وكم كان لقاؤنا بهم في قمة الروعة والبهجة، وأخذنا نقبل كل من نلقاه، فهذه وجوه طيبة مباركة عرفناها في وسائل الإعلام، هؤلاء رجال غزة الصامدون الذين سطروا أروع الأمثلة في الصبر والإباء والعزة.
هؤلاء علماء غزة، ونوابها، ووزراؤها وأبطالها.. ما أجمل وجوههم المضيئة، وما ألطف محياهم وأصدق ابتساماتهم.. فحمدًا لك يا رب أن جمعتنا بهم.
وتوزع الوفد، فتوجه البرلمانيون إلى المجلس التشريعي، وأما وفد رابطة علماء أهل السنة فقد صَحِبَنا الأخ الفاضل الشيخ الدكتور يوسف الشرافي إلى قاعة رشاد الشوا للقاء علماء ووجهاء ومفكري غزة الأبية، وقد انتظرونا طويلاً- جزاهم الله خيرًا-، وسعدنا بذاك اللقاء المبارك، ووجدنا كل ترحيب وأخوة ومحبة منهم.
محطات مضيئة في زيارتنا:
- من أبرز ما لقيته في غزة خلال الأيام التي قضيتها هناك؛ أنني وجدت: معاني الصبر والجلد والعزة، ووجدت الناس- بلا تحديد- وجدتهم يحملون الرضا بقضاء الله تعالى، لم أجد أحدًا متأففًا متسخطًا، وهذه من أروع المشاعر، فالناس جميعًا يحمدون الله تعالى، بالرغم من الفقر والضيق والحصار، لم ألتقٍ بأحد يندب حظه أو يشكو همه.. والله إنه لأمر عجيب وغريب، فمن عادة الشعوب أن تسارع بالشكوى للغريب، ولمن يظن أنه جاء للمساعدة، لكن سبحان الله عرفت سر صمود غزة؛ من خلال تلك النفسيات الشامخة والشخصيات السامقة، فقد تربى أهل غزة بالفعل على العزة، وكأني بهم قد كتب الله تعالى عليهم الحصار؛ ليصنعهم صناعة ربانية، وينشئهم نشأة إيمانية، وليعدوا إعدادًا خاصًّا، فلهم مهمة مقدسية قريبة- والله أعلم-.
وأنا لا أبالغ في مقالتي، ولا أدعي بالمقابل أن الناس هناك ملائكة لا يخطئون، ولكنني أظن بهم الخير ولا أزكيهم على الله، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها، حينما سألته: أو نهلك وفينا الصالحون؟ فقال لها: "نعم إذا كثر الخبث"، فكذلك فإن الخير ينتشر ويصمد الناس ويحميهم الله تعالى ولا يهلكوا.. إذا كثر الخير.
- طوفت في غزة شمالاً وجنوبًا، فلم أجد متسولاً واحدًا، وتساءلت: لماذا لا يخرج طفل أو امرأة لسؤال الناس، ثم استدركت على نفسي بأنني في غزة، فالناس هنا صمدت في وجه الصهاينة، وعضت على جراحاتها، ولم تحن رءوسها للظلم ولا للطغيان، وصبرت على جور العرب والعجم، ولذلك لا تجد غزاوي يمدُّ يده بالرغم من الجوع والفاقة.
- تتفاجأ وأنت تتجول في غزة من النظافة العامة فيها، فلا تكاد تجد أنقاضًا من الحرب الظالمة على غزة، ولا تكاد تجد قمامة أو أوراقًا ملقاة هنا أو هناك، هذا بالرغم من أننا لم نر سيارات لجمع القمامة، ولا عمال نظافة ظاهرين، ولكن البلد جميلة نظيفة، ولا وجود للمخلفات أمامنا.
- زرت عددًا من المساجد لإلقاء الدروس، وفي كل مرة كنت أفاجأ من العدد الكبير للحضور، ومعظمهم من الشباب المسلم، شباب في عمر الورود، وجوههم منيرة وجباههم مضيئة شامخة، ولهم ابتسامات رائعة، وسرني ذلك كثيرًا، فهؤلاء الآلاف يسعون إلى بيوت الله لتكون المأوى لهم، مزروعين فيها كأنهم أعمدتها، يرددون الآيات والسور، ويتهيئون للجهاد والعمل، فما أجمل المساجد حين يعمرها الناس بذكر الله، ما أشد تأثيرها في المجتمعات، حينما تكون محاضن للخير والعزة والثبات، حين يصدح منها صوت التكبير والتهليل والهتاف للإسلام، تلك المساجد في غزة، والتي خرجت آلاف الحفاظ للقرآن الكريم، ومئات الشهداء.. فتحية إجلال وإكبار لمساجد غزة بيوت الله العامرة، ولعمارها الكرام.
- خلال جولتنا زرنا دار القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي مؤسسة تربوية قرآنية سنية علمية، يرأسها الدكتور العالم المربي عبد الرحمن الجمل حفظه الله ورعاه، وبهدوئه ولطفه، ومع إخوانه الكرام الآخرين من الأساتذة الفضلاء كالدكتور عبد السميع العرابيد، والدكتور نسيم ياسين وغيرهم، قامت هذه المؤسسة الشامخة، ولها جهد رائع في نشر القرآن الكريم وتعليمه ونشر السنة النبوية وتعليمها، وهم القائمون على المخيمات القرآنية والتي خرجت آلاف الحفظة، وقدمت النماذج الرائعة من الطلبة أصحاب الهمم والنبوغ والعزيمة، وبإمكانيات بسيطة وجهود عظيمة من المحفظين، ومتابعة حثيثة من القائمين، وإذا بها تصبح من الجهات الرائدة في نشر العلم والدين، وقد نشرت العديد من الإصدارات في علوم القرآن والسنة النبوية، فتحية كبيرة لهذه المؤسسة الإبداعية، وللقائمين عليها، وهي جديرة بالدعم والمساندة.
- كان لقاءً رائعًا ومؤثرًا؛ ذاك الذي جمعني بأخي وشيخي الحبيب د. عبد السميع العرابيد، وهو الذي لقيته سنة 1981م في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، حينما كان طالبًا في السنة الأولى في الجامعة الإسلامية هناك، وكنت ما زلت طالبًا في المدرسة، وقدمت مع مجموعة من شباب المساجد لأداء العمرة، وتعرفت عليه، وكان- جزاه الله كل خير- أول من وجهني لتعلم القرآن وأحكام التجويد، وانقطعت العلاقة إلا من بطاقة أرسلها لي بعد عام من لقائنا وهي صورة المسجد النبوي وعلى ظهرها سلام منه لي، وكانت وقتها فرحتي بالبطاقة كبيرة، فهي من شيخ فاضل جليل يتذكر هذا الطالب الصغير، وبقيت أحفظ اسمه ورسمه في مخيلتي وقلبي، إلى أن زرت غزة المباركة، لأسأل عنه، وإذا به عَلَم من الأعلام، وفارس من فرسان القرآن، وأستاذ رباني في جامعة الأقصى، وتشرفت بلقائه والجلوس معه، وذهبنا بالذاكرة إلى ذلك اللقاء وإلى تلك الأيام الخوالي الجميلة، وشرفني باستضافتي في بيته العامر، وفي زيارة (هيئة فلسطين للأعمال الخيرية) تلك المؤسسة الخيرية الصغيرة بحجمها، والكبيرة بإنجازاتها، وزرت الهيئة واطلعت على أعمالهم المباركة، وعندهم جهد طيب في كفالة الأيتام ورعاية الأسر المحتاجة، ولا تقتصر رعايتهم على الرعاية المادية، بل لديهم برامج تربية ودعوية معهم، كذلك لديهم مشاريع لتأهيل الأسر المحتاجة وتشغيلها، وقد أعدوا مشغلاً لصنع: الحلوى والكعك، والمفتول المميز، ولديهم سعي لعمل مشروع يكون فيه الاكتفاء الذاتي في تشغيل الهيئة ورواتب العاملين فيها، ويستحقون كل دعم ومؤازرة.
- وأما رابطة علماء فلسطين والتي يرأسها الدكتور المجاهد العالم مروان أبو راس، فهي رابطة عظيمة، ولها جهود مباركة في خدمة الإسلام والمسلمين ونشر التوعية الإيمانية بين أهل غزة، ولهم جهد مبارك في المجلات الحائطية التي توضع في مساجد غزة المباركة، ومن أعظم جهودهم؛ مشروع الإصلاح والذي ابتدءوه بشكل بسيط، وكان من رواده الأوائل وما زال الدكتور العالم الرباني: نسيم ياسين– وهو ابن شقيق الشيخ الإمام الشهيد أحمد ياسين رحمه الله-، وللدكتور نسيم جهود مباركة في كل مجال مررنا به تقريبًا فهو في الرابطة وفي لجان الإصلاح وفي الجامعة الإسلامية وفي اللجان الخيرية، ولا تكاد تجد أي مجال للخير إلا وجدته– نحسبه على خير ولا نزكيه على الله- ونسأل الله تعالى له الأجر والمثوبة.
وأما الدكتور مروان أبو راس والذي له ولد شهيد بإذن الله، فهو أيضًا من المجتهدين المتحركين في كلِّ مجال من مجالات الخير، وقد حدثنا عن لجان الإصلاح، والتي أصبحت تعمل بشكل منظم وبمكاتب منتشرة في قطاع غزة، وقد بلغ عددها ما يقرب من 43 مكتبًا، وقد قامت في العام الماضي بالإصلاح فيما يقرب من 13 ألف قضية، ويقوم الإصلاح على أساس الشريعة الإسلامية، وتؤدي هذه المكاتب دورًا كبيرًا في استقرار الأوضاع وانتشار الأمن وسيادة الوئام بين أهل قطاع غزة، ولا يتقاضى القائمون عليها أي مبالغ مقابل هذا العمل، فجزاهم الله كل خير، وهم يستحقون كل دعم ودعاء ومؤازرة.
- كان لقاء الدكتور أسامة العيسوي وزير المواصلات في الحكومة الفلسطينية في غزة، لقاءً مباركاً، وقد شرفنا باستضافتي مع أخي الفاضل د. محمد حنون صاحب الجهود المباركة في خدمة فلسطين، ورئيس الجمعية الخيرية لنصرة فلسطين في إيطاليا، وصاحب القلب الرقيق والمعشر الجميل، تشرفنا بزيارة صديقه القديم د. أسامة العيسوي، والتشاور في أمور عدة تهم العمل الخيري في القطاع، وقد أحسن ضيافتنا ووفادتنا، وشرعنا ببساطة الأمور في غزة وتواضع أهلها، فيا ليت وزراء العرب والمسلمين يتعلمون من وزراء فلسطين في غزة، يتعلمون منهم التواضع والابتسامة والعمل الدءوب والجاد، ويتعلمون منهم العزة والكرامة والعطاء.
- شرفنا إخواننا في رابطة علماء فلسطين، بدعوتي مع أخي الفاضل الشيخ الدكتور أحمد هليل وهو من علماء الأزهر في مصر الحبيبة، ومن رواد الفضائيات الإسلامية المباركة، ودعونا إلى المشاركة في حفل توزيع الزيِّ الشرعي على طالبات الجامعات في غزة، وكان حدثًا مباركًا ومناسبة رائعة، أن نرى جموع بناتنا وأخواتنا الفاضلات الصابرات، أخوات المجاهدين والمرابطين، وهن يتمسكن بالزيِّ الإسلامي الشرعي، ويَسْعَيْن للمحافظة على دينهن وعقيدتهن، وتملكتني مشاعر الفرح الكبير، وأنا أقول إن هؤلاء البنات هن مربيات الجيل، وهن أمهات المستقبل القريب، وهن معلمات الخير، ولعل بعضهن ممن سيقدمن الشهداء قريبًا لتحرير الأقصى.. فتحية كبيرة لهن وأدعو الله تعالى أن يثبتهن على الحق والخير، وأدعو بناتنا المسلمات في كل بلاد المسلمين إلى التأسي ببنات غزة في الإيمان والصبر والإصرار على المحافظة على الحجاب والزيِّ الشرعي، وأوجه شكري واعتزازي لرابطة علماء فلسطين على مبادراتهم القيمة، ولهم كل الحب والتقدير والاعتزاز والدعم.
- لا يمكن أن نغفل عن محطتين عظيمتين مهمتين، وهما زيارة أمهات الشهداء وزيارة مقبرة الشهداء، وعلى رأس هذه الزيارات: زيارة أم نضال فرحات، وزيارة أم محمد فروانة.
إن الكلمات لتعجز عن وصف تلك القمم السامقة، وإن اللسان ليكل عن الحديث عن تلك الجواهر الغالية أمهات الشهداء، ترى الواحدة منهن قدمت فلذات كبدها، وهي صابرة محتسبة راضية مطمئنة، وهي ترجو أن تقدم المزيد، وتقلل من عملها، وتصغر من صنيعها، ووالله إنها لتاج على رؤوسنا وعز في جبين أمتنا، أما أم نضال فرحات فلا يخفى حالها وقصتها على الكثيرين، فهي التي دفعت بأبنائها للشهادة، وكانت السباقة لإعطاء صورة الأم المجاهدة الصابرة، التي تودع ابنها وتطلب منه أن يشد على الزناد للدفاع عن أرض الإسلام وكرامة المسلمين، ولنيل الشهادة في سبيل الله بلا خوف ولا تردد.
وأما أم محمد فروانة، وهو الشهيد بإذن الله تعالى، والذي كان له شرف خطف الجندي المغفل شاليط، وقد أخرجه من الدبابة وحمله على كتفه، وركض به تجاه النفق، ورماه لإخوانه، ثم جاءته طلقة الغدر والإجرام من الصهاينة، فنال الشهادة.
وقصة أمه التي روتها، أنها جاءته في يوم من الأيام وقالت له: يا محمد، لقد تأخرت.. متى ستنال الشهادة في سبيل الله، أريد أن أدخل أنا وأنت وأبوك وأهلك ندخل الجنة، فمتى ستنال الشهادة وتفرحنا بها؟!!!
يا الله.. أي أم عظيمة هذه، وأي عزيمة إيمانية غريبة، قالت: وقلت له: أدخل يا محمد، واغتسل وتطيب وصل ركعتين، ومشط شعرك، وعانقته، وقالت له امض على بركة الله لنيل الشهادة، فعاد في اليوم الأول ولم يستشهد، ففعلت نفس الشيء في اليوم الثاني، وكذلك في اليوم الثالث.
تقول صعدت على سطح البيت، وتكلمت مع نفسي.. هل أنا عاقلة، كيف طاوعني قلبي أن أرسله بهذه الطريقة؟! ثم ناجيت ربي.. يا رب.. أنت تعلم قلب الأم ومقدار مكانة ولدي في قلبي، ولكنك أحب إليّ، ودينك أغلى عندي.. يا رب فتقبله في الشهداء، وارزقني الصبر والإيمان، واجمعني به في الجنان.
وفي اليوم الرابع، قالت له، يبدو يا محمد أن قلبي متعلق بك، ففي كل مرة أطيبك وأودعك، وكأنني أريد عودتك، وأما اليوم، فأنا لن أودعك، وأحتسبك عند الله، وقلبي متعلق بربي، فاذهب على بركة الله، وبالفعل يذهب محمد، وينال الشهادة في ذلك اليوم.
الله أكبر، هل نحن حقًّا في هذا الزمن، أم في زمن الصحابة والتابعين، لا أكاد أصدق مسمعي وعيني...
ويقع الإخوة الأحبة من الوفد الأوروبي- المسلمون من أصول عربية- يقعون على الأرض يجهشون بالبكاء من شدة التأثر بكلامها، بل يطلب واحد منهم أن يقبل قدمها.
لن تذل غزة ولا فلسطين، وفيها من أمثال أم محمد فروانة، وأم نضال فرحات، لن تذل ولن تهزم بإذن الله، فيا أيتها الأمهات المسلمات في كل مكان، تعلمن من أمهات الشهداء في غزة، تعلمن كيف تربين أولادكن على العزة... تعلمن درس العطاء لله والبذل لله، والرضى بقضاء الله، تعلمن كيف تكون محبة الله مقدمة على كل محبة.
بل والله هذا الدرس ليس للأمهات فقط، إنه درس لكل مسلم على وجه الأرض، الأمهات والآباء والأبناء والرجال والنساء والأطفال، لقد تعلمنا من غزة ومن أهلها، تعلمنا أعظم الدروس.
- رجفت قدماي وارتعشت فرائصي، وأنا أخطو ليلاً داخل مقبرة الشهداء في غزة، بحثًا عن قبور العظماء، دخلنا إلى المقبرة وإذا فيها هيبة وسكينة غير عادية، والله ما شعرت بطمأنينة وسكينة في مقبرة، كما شعرتها في تلك المقبرة، كيف لا وهي تحوي قبور من قدموا أرواحهم رخيصة لله.
وصلنا إلى ما كنا نبحث عنه، وإذا أمامنا قبر الإمام الشهيد أحمد ياسين، سبحان الله دار في رأسي شريط سريع من الذكريات، واختلطت في نفسي مشاعر عديدة، وحار فكري وأنا أتذكر كلمات هذا الرجل العظيم، وأثره في الأمة، وقد وجدنا له بصمات في كل زاوية في غزة، فكل مشروع زرناه قالوا لنا: وضع أساسه الشيخ أحمد ياسين، وكل بناء قالوا كانت اللبنة الأولى للشيخ أحمد ياسين، وكل معضلة كانت تحل بتدخل الشيخ أحمد ياسين، وكل هذا الإنجاز، يعود فيه الفضل- بعد فضل الله ومنته- إلى الشيخ أحمد ياسين.
لا أستطيع وصف مشاعري، وأنا أقف أمام هذا الجبل الأشم، وقد حدثني ابن أخيه الدكتور نسيم ياسين، أن الشيخ رحمه الله، كان ليلة استشهاده قد أصر على أن يقيم الليل في المسجد، وقبيل الفجر تسحر على تمرات قليلة وشربة ماء، ونوى الصيام، وصلى الفجر في جماعة، وذكر الله تعالى، ثم أراد الخروج، فقال له أحد الشباب: يا شيخ هناك طائرة في الجو، ونخاف عليك، فقال مبتسمًا: "إحنا بنستنى الشهادة من زمان، أتوكل على الله".
والعجيب أن الدكتور نسيم يخبرني أن الأطباء كانوا قبل أسبوع تمامًا قد فحصوا الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، وأخبروهم أن لديهم مشاكل كبيرة جدًّا في الرئتين وفي الكبد، وقدروا أنه قد لا يعيش أكثر من أسبوع أو عشرة أيام، ولم يمض أسبوع إلا ويختار الله تعالى للشيخ أحمد ياسين ميتة، ولكن ليست أي ميتة، ليس ميتة المرض والفراش، بل اصطفاء الشهداء واختيارهم من الله، فنحسبه قضى شهيدًا عزيزًا شامخًا، ونسأل الله تعالى أن يتقبله في عليين وأن يلحقنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
وليس أقل من ذلك، الشهيد- بإذن الله- البطل الأسد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والذي يوجد قبره بجانب قبر شيخه أحمد ياسين، وقبره بسيط جدًّا مسوى بالأرض كقبر الشيخ، وليس بعيدًا عنهما قبر الشهيد بإذن الله تعالى سعيد صيام أبي مصعب، بطل معركة الفرقان، وصاحب الأثر الكبير في غزة وفي جهاد أهلها ضد الصهاينة.
وهناك أبعد منهم قبر الجبل الأشم المجاهد الكبير صلاح شحادة رحمه الله تعالى وتقبله في الشهداء، وقد حدثني الإخوة هناك، أن القبر لم يدفن فيه، إلا قطعة من لحم لا تزيد عن كيلوين لأن الشيخ لم يعثر له على بدن، وذلك من شدة الانفجار الذي حل ببيته، وقد ألقيت عليه قنبلة وزنها ألف كيلوجرام، تحكي شدة حقد الصهاينة وشدة رعبهم من المجاهدين الأبطال، ولا تخلو المقبرة من شهداء آخرين قضوا في معركة الفرقان وفي سبيل الله تعالى، نحسبهم شهداء وندعو الله تعالى أن يرفق قدرهم، وأن يلحقنا بهم في جنات النعيم.
- ومن المفاخر الكبيرة في غزة العزة والصمود، الجامعة الإسلامية، ذاك الصرح المبارك الشامخ، وقد قام وفدنا وفد رابطة علماء أهل السنة بزيارة الجامعة، والتقينا بإدارتها وعلى رأسهم الدكتور الفاضل كمالين شعث، واجتمعنا بالأساتذة الفضلاء، وعرضوا لنا فيلمًا عن الجامعة وإنجازاتها، وحقيقة إن الجامعة تستحق كل احترام وتقدير، فهي تضاهي الجامعات العالمية وليس العربية، فبمجرد دخولك إليها ترى النظام والانضباط والترتيب، ولا تقع عينك على أي أوساخ ولا فوضى، زرنا الإدارة والمسرح وتجولنا بين المباني واطلعنا على بعض القاعات، فكان كل ما رأينا مشرفًا يدعو للابتهاج والاعتزاز، وهي جامعة قامت على أساس العلم والمعرفة والأخلاق والضوابط الشرعية، فهناك فصل بين البنين والبنات، وتلتزم البنات بالزيِّ الشرعي، واطلعنا على المبنى المهدم والذي قصفه الصهاينة الملاعين لأنه من أهم المباني ويحوي مختبرات الهندسة والعلوم، وبنفس الجدية والإنجاز الذي لاحظناه في كل مكان في غزة، وجدناهم قد أزالوا الركام وبدءوا بإعادة البناء، وهم بحاجة للدعم ويستحقونه، والجامعة لديها محطة فضائية هي محطة (كتاب)، وإذاعة محلية للقرآن الكريم والعلوم، ولديهم دوريات وإصدارات، ويستفيدون من كل شيء بكل إتقان وحسن أداء، وأكرمونا بإهدائنا قوارير زيت صغيرة، وهي من إنتاج الجامعة ومن الشجر المزروع في الجامعة، فيا لهم من عظماء ويا لهم من أمناء على الأبناء والعلم ويا لهم من أصحاب عطاء.
- وأما زيارة وفد رابطة علماء أهل السنة وعلى رأسهم د. صلاح سلطان، إلى وزارة الأوقاف في الحكومة الفلسطينية في غزة، واستقبالنا بشكل مشرف ورائع من قبل القائمين على الوزارة وعلى رأسهم معالي فضيلة الأستاذ الدكتور صالح الرقب حفظه الله ورعاه وإخوانه، وقد أطلعونا على إنجازات رائعة في وزارة الأوقاف وجهود مباركة في نشر العلم والدعوة، ولهم مشاريع استثمارية وقفية، ولديهم مدرسة شرعية مميزة متفوقة على مستوى القطاع، ولديهم مراكز لتحفيظ القرآن، ولهم كذلك جهود مباركة في الحفاظ على عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد أكرمنا الوزير جزاه الله خيرًا بإهدائنا بعض كتبه ومنها ما هو عن الشيعة الإثنى عشرية للتحذير منهم، وكتابًا عن علاقة الصحابة بآل البيت للرد على الشيعة، وفي هذا أبلغ الرد على من يدعي أن التشيع منتشر في غزة، ويعلم الله تعالى أننا ما سمعنا بوجود شيعة ولا دعاة لهم أبدًا هناك، بل على العكس، وجدنا استمساكًا بالسنة وبالعقيدة الصحيحة، ونشرًا لمنهج التوحيد السليم، ونسأل الله تعالى لهم الثبات والخير، وهم يستحقون الدعم والعون لمشاريعهم، وقد أتحفونا بوجبة غداء من السمك الغزي اللذيذ تغنى بها وفد الرابطة إلى نهاية الرحلة.
- ومن الصروح العظيمة التي زرناها، وهي بحق مفخرة كبيرة، مقر قناة الأقصى، فقد قام وفد رابطة علماء أهل السنة بزيارة لهذه المؤسسة الإعلامية الرائدة، والتقينا بمدير القناة الأستاذ حازم الشعراوي، وبعدد من الإخوة العاملين هناك، وكلهم يشعرك بالصمود والإصرار والتحدي والعطاء وبالهدوء والسكينة والابتسامة المشرقة، فجزاهم الله كل خير على ما يقدمونه، ولديهم قناة فضائية وقناة تلفزيونية محلية، وإذاعتين، إضافة إلى الموقع على الإنترنت، وبالرغم من بساطة المبنى والإمكانات، إلا أن الإنجاز عظيم والعطاء متواصل، والسعي دءوب للتطور، فلهم كل الحب والتقدير والاحترام على جهادهم الإعلامي وإصرارهم على إظهار الحقيقة وتثبيت الشعب الفلسطيني ونصرة قضية الأمة قضية فلسطين والأقصى.
- شعرت بشعور غريب وعجيب وأنا أمر بالمنطقة التي ولد فيها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وشعرت بعمق التاريخ والشموخ والرقي، أحقًّا على هذه الأرض ولد أحد أئمة الإسلام وعظائمها، صاحب الأم والرسالة وغيرهما الذي كان كالشمس للدنيا، إنها أرض غزة، والتي تحوي كثيرًا من المشاهد التاريخية والواقعية، وتبهرك بعطائها وأصالتها وبحكاياتها، وهناك مسجد الإمام الشافعي، وهو مسجد كبير، يقوم عليه أناس فضلاء على رأسهم الدكتور عبد الكريم، ولهم جهود طيبة في مساعدة الفقراء والمحتاجين، وفي الإصلاح وفي نشر العلم، جزاهم الله كل خير، ويستحقون الدعم.
- لا أستطيع أن أغفل واحدة من أعظم المحطات المضيئة في زيارتي لغزة، وهي محطة اللقاء بالأسرى المحررين، وقد يسر الله تعالى لقاءهم في بعض الدروس في المساجد، وفي حفل تكريمي لهم قام به بعض الإخوة من أوروبا، ومهما حاولت أن أصف لكم أولئك القمم السامقة، والأبطال بكل معنى الكلمة فلن أوفيهم حقهم، فإنك تلتقي بالواحد منهم وقد قضى في السجن ما يزيد عن عشرين سنة، منها سنوات طويلة تزيد عن عشر سنين في السجن الانفرادي، وتراه يبتسم ويضحك ويشكر الله تعالى، ويقول بأنه في نعمة وفضل ومن أكثر الناس سعادة، كيف استطاعوا أن يصمدوا وخاصة في الزنازين الانفرادية، كيف لم يفقدوا صوابهم، كيف لم يفقدوا ثقتهم بأمتهم، إنه الإيمان يا سادتي، الإيمان بالله تعالى الذي يرفع الإنسان من عالم البشر الظالم، لينقله إلى عالم الملكوت السماوي الراقي، ليعيش بنفسه ووجدانه في السماء يسجد عند العرش، ويتعالى على جراحاته وآلامه وهمه وغمه، إنه التسبيح الذي يبدد الظلمة والضيق، كحال نبي الله يونس ذي النون، الذي قال الله تعالى عنه: (... فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)) (الأنبياء)، إنه الاتصال بالعظيم المحيي المميت، إنه الصلة العظيمة بالنور سبحانه، فإذا بالنور يبدد الظلمات، وإذا بالرحيم ينزل الرحمات، وإذا بالأسير يصمد في وجه الملمات.
كل واحد منهم جبل أشم، وله قصة لا تصدق، فمن حالك الظلمة وقعر السجن، إلا أنوار الهدى وقمة الخير مكة المكرمة وأنوار الكعبة وأداء الحج، يا له من مشهد عظيم، كل واحد منهم لم يقنط من رحمة الله، ولم يسخط على ربه، ولم يشك في عدله، وجدد عزمه وإصراره على المضي في طريق الجهاد والمقاومة والحرية، لهم منا كل تحية وتقدير ودعاء، ونسأل الله تعالى أن يعجل فرج البقية الباقية، وأن يفرج عن كل مسلم وحر معتقل في كل مكان من العالم.
- لا تنتهي المشاهد الرائعة في غزة، ولا تنقضي العجائب هناك، ومهما طوفت فإنك ستلقى مشهدًا مؤثرًا وموقفًا مبهرًا، ولكن والحق يقال كان من أكثر المواقف أثرًا في نفوسنا، لقاء صاحب الوجه المنير والابتسامة الدائمة المضيئة، لقاء رئيس الوزراء وإمام المسلمين في صلاتهم، الأخ المجاهد أبو العبد إسماعيل هنية.
والله لا أبالغ إن قلت بأنه يشع نورًا، وكم شعرت بالفخر والاعتزاز والثبات والشموخ وأنا أعانقه وأسلم عليه، شعرت بالعز لأن في أمتنا من أمثاله الذين صمدوا وصبروا، وجمعوا القلوب والعقول حولهم، فما لقينا أحدًا إلا وهو يثني عليه، وسبحان من وضع له القبول في الأرض، لقينا رجلاً ثابتًا هادئًا واثقًا بالله تعالى وبنصره، سر كثيرًا بزيارة وفد رابطة علماء أهل السنة، وأظهر غاية التواضع والأدب، وأشار إلى إجازة في القرآن معلقة عنده، بأنه يعتز بها كثيرًا ويرجو الله تعالى أن يكتب له بها الأجر، يحمل هم البلد بحق، ما زال يعيش في مخيم الشاطئ، وسألته عن سبب فقدانه للوزن ونحول جسمه، فأخبرني بأنه يمارس الرياضة بشكل دائم، وأنه قرر ألا يكون سمينًا، وحظينا بهدية منه وشاحًا جميلاً عليه توقيعه الكريم، وقد كان من لطائف لقاء وفد رابطة علماء أهل السنة برئيس الوزراء الفاضل، أن الدكتور صفوت حجازي الأمين العام للرابطة، أعلن بأن الرابطة تجهز منبر صلاح الدين، تيمنًا بأن يتحرر المسجد الأقصى ويتم إعادة المنبر إلى المسجد، وعندما علمنا بأن الأخ المجاهد إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني قد أعلن عن نفس النية وباشر بالعمل ذاته، قرر الدكتور صفوت حجازي ضم الجهود، وتسليم الأموال التي رصدت لهذا المشروع للأخ إسماعيل هنية للمساهمة فيه، مع الوعد بأن نكون مشاركين لأهل غزة في وضع المنبر عند تحرير الأقصى بإذن الله.
وخرجنا من عنده ونحن نشعر بالفخر والاعتزاز، ونؤمل خيرًا في هذه الكوكبة الرائعة من الرجال الواثقين بنصر الله، وبأن مشروعهم تحرير القدس؛ بتنا نراه حقيقة واقعة بإذن الله تعالى.
كانت هذه مشاهد سريعة من رحلة غزة، ولو أردت أن أكتب أضعاف ما كتبت لوسعني ذلك، ولكنني أكتفي بهذه المحطات، وكلي أمل بالله تعالى أن يجدد لنا عهد زيارتها، وكلي أمل بأمتنا أن تحذو حذو غزة، وكلي أمل بالمسلمين أن يمدوا يد العون لها، لأنه من الواجبات الشرعية، وأن نراها عن قريب درة في جبين الأمة، وكلي ثقة بأن غزة وأهلها هم طلائع الفتح لبيت المقدس، ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبًا.
------------------------------------------
* عضو رابطة علماء أهل السنة المشارك في قافلة الربيع العربي إلى غزة