خلقنا الله عز وجل لنكون عبيدًا له: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)) (الذاريات)، والعبودية الحقة لله تتمثل في التعلق التام به سبحانه والاستسلام له وتوجيه المشاعر نحوه، فيكون حبه أحب الأشياء إلينا وخشيته أخوف الأشياء عندنا، وأن نفرح بفضله ونصبر على بلائه ونرضى بقضائه.. أن نستعين به ونتوكل عليه في إنجاح ما نعزم على فعله، وأن نتذلل إليه ونظهر دومًا عظيم افتقارنا إليه، أو بمعنى آخر: ينبغي أن تكون حياتنا كلها عبودية له سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)) (الأنعام).
فكل وقت له عبوديته الخاصة به، والتي تتمثل في توجه مشاعر بعينها نحوه سبحانه وتعالى، وتتمثل كذلك في القيام بأعمال صالحة تترجم هذه المشاعر إلى أرض الواقع.
والمتأمل لأحداث الحياة يجدها تتقلب بالإنسان بين المنع والعطاء، والحكمة من ذلك إظهار العبودية الخاصة بكل حدث، كما يقول صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (رواه مسلم).
ومن الأحداث المهمة التي تجري في بلادنا هذه الأيام ما أفاض الله جل شأنه علينا من تصويت الناس للكثير من أبناء التيار الإسلامي لتمثيلهم في البرلمان، وهذا الفيض يلقي على عاتقنا الكثير من التبعات في المستقبل، ولكن ما نود ذكره بعون الله في هذا المقال هو التذكير بواجب الوقت الآن والعبودية المستحقة لهذا الحدث.
إن التحليل الصحيح لنتائج الانتخابات يؤكد الحقيقية الأبدية: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)) (الأنفال)؛ فلولا الله ما حصلنا على صوت واحد: (إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) (آل عمران: 160)، ومع ضرورة التذكر الدائم لهذه الحقيقة علينا القيام بأعمال نظهر فيها اعترافنا بفضل الله علينا، وأن النصر لم يزدنا إلا تواضعًا وانكسارًا وعبودية له سبحانه، ومن هذه الأعمال:
* إغلاق باب الفرح بالنفس:
اعلم أخي أن ورود النعم ونزول النصر يفتح على النفس بابًا تحاول من خلاله الانتشاء والفرح ونسب الفضل إليها، وكثيرًا ما يجر ذلك إلى الأَشَر والبطر والإعجاب بالنفس ونسيان فضل الله، لذلك كان من الضروري غلق هذا الباب سريعًا أمام النفس بالمبالغة في الانكسار والتواضع لله عز وجل، ولا يعني هذا عدم إظهار الفرح بالنصر، ولكن المقصد أن نفرح بالله الذي نصرنا ولا نفرح بأنفسنا: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)) (يونس).
* التسبيح والاستغفار:
النصر نعمة عظيمة تستحق الشكر الفوري حتى نقيدها ونستدعي غيرها وغيرها، ألم يقل سبحانه: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)؟، وشكر نعمة النصر جاء في قوله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)) (النصر)؛ فتسبيح الله على النصر الذي لا يمكن أن يتم إلا به، وحمده على ذلك واستغفاره من التقصير في القيام بحقوقه صورة من صور شكر نعمة النصر.
* سجود الشكر الفوري:
ومن صور الشكر كذلك سجود الشكر ومناجاة الله وحمده والثناء عليه في هذا السجود، وكلما سارع العبد للسجود بعد ورود النعم العظيمة عليه لكان أفضل؛ لما في ذلك من إظهار سريع للذل والانكسار لله؛ فعن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عزوراء نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجدًا، فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدًا، فعله ثلاثًا، وقال: "إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا لربي شكرًا ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا لربي شكرًا ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدًا لربي" (رواه أبو داود)، وحبذا لو كان هذا السجود على التراب قال صلى الله عليه وسلم: "ما من حالة يكون العبد عليها أحب لله من أن يراه ساجدًا يعفر وجهه في التراب" (رواه الطبراني).
* إظهار التواضع والاستكانة لله عز وجل:
جاء في الأثر أن الله عز وجل أوحى إلى بعض أنبيائه: "إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك"، ولنا في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في ذلك عند دخوله مكة فاتحًا، فلو جاز لأحد أن يفرح وينتشي ويرفع رأسه لجاز له صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يتذكر في هذا الوقت إلا فضل ربه عليه ووفاءً بعهده له وأنه سبحانه ناظر إليه يرقب فعله وينتظر شكره، فكان منه ما كان.. تعمًَّم بعمامة سوداء ودخل مكة وقد أحنى جبهته حتى كادت تمس ظهر بعيره تواضعًا وانكسارًا لله عز وجل، وبعد دخول مكة ظل وأصحابه طيلة الليل حول الكعبة في تهجد وتأوه وتذلل لربهم.
* التواضع في المظهر:
ومن صور الاستكانة لله عز وجل التواضع في الزي والمظهر، ولنا في قصة عمر بن الخطاب ومظهره الرث وملابسه المرقعة عند دخوله بيت المقدس، فاتحًا أبلغ العبرة في ذلك.
وكذلك فعل النجاشي عندما بلغه انتصار المسلمين في بدر، فلقد دخل عليه جعفر بن أبي طالب يومًا فوجده يلبس ملابس رثة ويجلس على التراب فقال له: ما بالك تجلس على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق (ملابس مبتذلة) قال: إنما نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام: إن حقًّا على عباد الله أن يحدثوا له تواضعًا عندما أحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله نصر نبيه أحدثت هذا التواضع.
* تذكر ما في النصر من نعم:
ومن العبادات التي يريدها الله عز وجل من عباده عند ورود نعمه عليهم: تذكرهم لهذه النعم وما فيها من جوانب متعددة وربطها به سبحانه، ومن الأمثلة التي تؤكد هذا المعنى ما جاء في سورة الأحزاب من توجيه مباشر للصحابة بتذكر نعم الله عليهم في نصرهم على الأحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)) (الأحزاب).
* التناصح والترهيب من الغرور:
ومن صور الشكر عند النصر: التواصي بهذه المعاني وغيرها، وتخويف بعضنا البعض من عواقب عدم الشكر: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)) (آل عمران)، والتحذير كذلك من تسلل داء العُجْب والغرور إلى نفوسنا، وهذا ما فعله أبو بكر الصديق مع خالد بن الوليد عندما بلغه انتصاراته المتتالية في العراق فبعث برسالة يقول فيها: "فليهنك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتم الله لك ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المن وهو ولي الجزاء".
* قيام الليل:
قيام الليل وإظهار المسكنة لله عز وجل والتبؤس والافتقار بين يديه، واستكثار ما منَّ به علينا، وأنه لولاه لكنا في الأذلين وما حققنا أي شيء، مع سكب العبرات في المحراب، وكتابة رسائل الشكر له سبحانه بدموعنا، كل ذلك من أفضل صور الشكر، ولنتذكر أنه صلى الله عليه وسلم قد تورمت قدماه من طول القيام وقال معللاً ذلك: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!".
والخلاصة:
إن الله عز وجل بعد أن تفضل علينا وأجاب دعاءنا ودعاء الكثير من المسلمين وأكرمنا بنصر عزيز؛ فإنه سبحانه ينتظر منا أن نشكره.. فهل نحن فاعلون؟! (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)) (يونس).