![]() |
|
د. مكارم الديري |
وما زال فريق من متطرفي العلمانية يمارسون اليوم الدور نفسه إلى الحدِّ الذي قد يجعلهم يقبلون بالحكم العسكري للحيلولة دون تصدر التيار الإسلامي للمشهد السياسي أو المشاركة في إدارة البلاد.
إن خوف هؤلاء من صعود التيار الإسلامي غير مبرر، فقد ظل التيار الإسلامي خلف الجدران عقودًا طويلة ظلمًا وعدوانًا، ويأتي الاستعداء بحملات إعلامية مسعورة من أجل الانتقاص من رصيدهم الشعبي، وخاصة في الانتخابات البرلمانية الحالية.
إن الأسباب الكامنة وراء هذا الخوف يأتي من القلق على ما يسمونه مكتسبات الدولة الحديثة التي أسسها محمد علي، وذلك على مبادئ العلمانية، وما زال فينا من يهلل لها ويكبر، ولذا فنحن في حاجة إلى مراجعة هذه المكتسبات التي حققتها هذه الدولة الحديثة في خصومتها مع الدين وعلمائه، وفشلت في تحقيق النهضة في بلادنا، وحولت الأمة إلى مجموعة من الأصفار على الشمال.
إذا ما قرأنا تاريخ هذه الدولة قراءة منصفة وجدنا أنها كانت طليعة لدول العالم العربي في العلمانية، وأهم إنجازاتها أن مصر أصبحت منارة العالم العربي في الفكر والثقافة الغربية والآداب والفنون الغربية، بعيدًا عن ركب التطور العلمي الحاصل في أوروبا وقتذاك، وعجزت حتى اليوم عن تحقيق أو مواكبة النهضة الأوربية الحديثة، وأن مشروع النهضة الذي بدأه "محمد علي" لم يستكمل بعد وإلى يومنا هذا؛ لأنه تعثر في خطواته نتيجة التدخلات الأجنبية، وإفساح المجال لتغريب المجتمعات الإسلامية؛ لإحداث نوع من الولاء والتبعية لهذه الحضارة بحلوها ومرها.
لقد التقت طموحات "محمد علي" في تأسيس دولة له ولأبنائه مع رغبة القوى الاستعمارية في مواجهة دولة الخلافة الإسلامية، فكان دعمهم له بشرط تحقيق أهداف القوى الغربية الاستعمارية من إقامة دولة تنطلق من منطلقات لا دينية، وتلتقي مع التوجهات الليبرالية التي بشرت بها الثورة الفرنسية في عدائها للدين، واستكمالاً لمشروع حملة بونابرت الفاشلة على مصر، وأصبحت أفكار الثورة الفرنسية دينًا جديدًا ينتهجه بعض المفكرين في مصر؛ حيث تبناه بعض المبشرين بالثقافة الغربية من الساسة والزعماء، فقام "رفاعة الطهطاوي" مفكر عصر "محمد علي" بترجمة العديد من المؤلفات تحسب له، ومنها القانون المدني والجنائي الفرنسي، ولكن هذا القانون حل بديلاً عن التشريعات الإسلامية في عهد الخديوي سعيد وإسماعيل مع إلغاء المحكم الشرعية، كما أفسح المجال للإرساليات الأجنبية والتبشيرية لتعزيز الفكر الغربي، وتغيير العقلية الإسلامية بالمسخ والتشويه، وبدءوا يرددون مقولات المستشرقين، ومنهم "هانوتو" في اتهام الإسلام بأنه دين الخمول والكسل، وأن تقدم المسلمين مستحيل في ظل الإسلام، وأن كل حكومة انفصلت عن الشرق وسارت على منهاج أوروبا نجحت.
وإني أرى أن في هذه المقولات مغالطة للتاريخ وللواقع؛ فالتاريخ يشهد للمسلمين بحضارة ظلت قرونًا طويلة تضيء العالم بعلمها وقيمها ومدنيتها، وإن المسلمين حين تركوا الإسلام- جهلاً أو عمدًا أو تشويها- تخلفوا، والواقع يشهد أن النظم السياسية التي عزلت الإسلام عن الحكم والتشريع تخلفت، وخير دليل على ذلك هو تراجع تركيا الأتاتوركية في ظل العلمانية وخصومتها مع الإسلام، وتميزت حين تبنت قيم الإسلام وحكمها حزب إسلامي، وتونس التي حولها بورقيبة وبن علي إلى دولة علمانية معادية للإسلام، وحين تُرك للشعب أن يختار لنفسه تطلع إلى الإسلام، وهذه الجزائر حين أتيحت لها الديمقراطية اختار الشعب الإسلام ثم انقلب على الديمقراطية النظام العلماني الحاكم، كذلك ما أسفرت عنه الانتخابات الأخيرة في المغرب من تفوق التيار الإسلامي.
والتحدي الأكبر هو في فهم الإسلام وتطبيقه تطبيقًا صحيحًا مناسبًا للعصر والواقع والمتغيرات محافظًا على ثوابت الدين ولحمة الأوطان.
ألا ترون معي أن الأنظمة السياسية التي تحكم العالم الإسلامي، وهي صناعة غربية تسبح ضد تيار الشعوب الجارف واختياراته للمنهج الإسلامي.
إن من إنجازات مشروع "محمد علي" الحداثي ارتباطه بالاستبداد فقضى "محمد علي" على المماليك والأعيان وقوَّض السلطة الدينية، وحرم المشايخ من وظائفهم، وعزلهم عن الناس، فلم يجرؤ أحدهم أن يحكم بالعدل ولكن بما يراه الحاكم المستبد، فأين هؤلاء من علماء للدين قبل عصر "محمد علي"؟، والذين حظوا بمكانة عالية وتقدير من حكام المسلمين وأقربهم عهدًا لعصر "محمد علي" الأيوبيين والمماليك، والذين قادوا الأمة إلى النصر على التتار والصليبيين جنبًا إلى جنب مع قادة الجيوش وزعماء الأمة، وكان ذلك حين أتيحت لهم حرية الرأي والفكر التي دعا إليها الإسلام وتبوأت مصر حينذاك الريادة العسكرية والثقافية والعلمية في الأمة.
لم يكن الاستبداد وحده مصاحبًا لمشروع "محمد علي" الحداثي ولكنه كان نافذة أيضًا للاحتلال الغربي والهيمنة العسكرية والفكرية والثقافية إلى يومنا هذا، ومحصلة ذلك أن بلادنا فَقَدَت حريتها واستقلالها في ظلِّ حكم "محمد علي" وأسرته، وفي ظل حكم دولة العلمنة الأولى لبلادنا.
وفي ظل حكم ضباط يوليو "دولة العلمنة الثانية" وطيلة ستين عامًا هل تحققت النهضة المنشودة في بلادنا؟ وهل من حكموها من أبنائها كانوا أكثر رحمة وإخلاصًا لها؟.
ألا ترون معي أن أسباب إخفاق مشروع الحداثة الذي بدأه "محمد علي" هي نفس أسباب إخفاق المشروع الذي تبنته الأنظمة الحاكمة لبلادنا، منها الهيمنة والتبعية التي ظلت كما هي بديلاً عن الاحتلال، والاستبداد أصبح أشد استعارًا وتنكيلاً بالخصوم، أما العلمنة والتغريب فظلا مصاحبين لحركات التحرر الوطني بعزل الإسلام عن واقع الحياة وشئون الحكم، وإن نصت الدساتير على غير ذلك، وصاحب ذلك إقصاء كل الأصوات المنادية بالإصلاح، وانتقاد السلطة وخاصة التيار الإسلامي.
وما زالوا يحاولون ممارسة الدور الإقصائي خصمًا من رصيدهم الانتخابي في الشارع المصري، وهم ها هنا يخطئون للمرة الثالثة بممارسة نفس الدور القديم، على الرغم مما يتشدقون به من احترام الاختيار الحر، والسير في طريق الديمقراطية، فيبدو الإعلام موجهًا دون استثناء لتثبيت صورة ذهنية ضد الإخوان وحزبهم بصفة خاصة.
إن محاولة إقصاء التيار الإسلامي عن المشهد السياسي والثقافي والفكري– كما كان في السابق– لن يحدث، والتاريخ لن يعيد نفسه، وقد أخطأ من يسمون بالنخب في عدائهم السافر للتيار الإسلامي، وقد شكل هذا استعداءً جسيمًا من الشعب نحو هؤلاء النخب، وخصمًا لرصيدهم عند الشعب، ولن يلتف حولهم إذا ما كانت مشاريعهم مخاصمة لهوية وثقافة هذا الشعب، ويبدو ذلك واضحًا في الثقافة واتجاهات التعليم والإعلام وما تقوم به بعض منظمات المجتمع المدني، فتداركوا الأمر قبل أن ننقاد إلى فشل جديد.
