وبعد إغلاق جريدة (الشعب)، انسدت السبل أمامي مرة أخرى للكتابة في هذا الاتجاه، إلى أن فوجئت باتصال كريم من الأستاذ الفاضل "بدر محمد بدر" يخطرني فيه أن "الجماعة" قد أصبحت لها جريدة، بغير صفة رسمية، تحت عباءة حزب الأحرار، سميت (آفاق عربية)، طالبًا استكتابي فيها.. وتكرر الأمر بالنسبة لجريدة أخرى، ظهرت بنفس الطريقة (الأسرة العربية)، لكن النظام لم يطق صبرًا على استمرار التجربة.

 

وعندما بدأت حرب شرسة، قذرة، بعد الواقعة المفبركة التي عرفت "بميليشيات الإخوان الأزهرية المسلحة"، والتي "صُنعت" لتبرير حركة التدمير التي قام بها النظام لكثير من الركائز الاقتصادية الخاصة بقيادات إخوانية، بادرت أكتب على صفحات جريدة (الدستور)، مقالاً بعنوان (حرب خاسرة)، نشر بتاريخ 22/9/2007، يقوم مضمونه على أساس "أن ما يشنه النظام في مصر من حرب ضد قوى إسلامية ستكون خاسرة"، لم أكن فيها متنبئًا بما حدث في يناير 2011، ولكنها سنن الله في حركة المجتمعات البشرية وتطورها، وأن القهر والظلم، مهما طال الأمد بهما، ومهما بدا من رضوخ واستسلام من قوى المحكومين، إلا أن لحظة الانفجار لا بد أن تأتي، لينتهي نهج القهر، ويبدأ نهج التحرير.

 

وأشرت إلى أن "يقيننا بخسارة الحرب الحالية- ضد الإسلاميين- أنها حرب يستخدم فيها السلاح بشكله المعروف، بكل ما طرأ عليها من صور تقدم تكنولوجي، و"فكر"، ومن هنا يجئ خطأ النظام الجوهري، وغفلته عن دروس التاريخ، مع أننا جميعًا نردد مثلاً معروفًا يقول: أن الحديد لا يفله إلا الحديد، ومن ثم فإن محاربة "فكر" لا تكون إلا "بفكر" آخر، يسعى إلى تقديم آراء أكثر منطقية، وأفكار أكثر فعالية في خدمة الناس".

 

ثم أشرت إلى أن من الصحيح أن النظام كانت له كتائب هجوم شرسة، بالتوازي مع كتائب الداخلية، الأكثر شراسةً، حيث الفئة الأولى سلاحها القلم، وطرح الأفكار، لكن ما يُعَرّي هذه الفئة هو ما هو معروف من أنها "مُشتراة"، حيث الثمن المدفوع يتبدى في مواقع عليا ومناصب مرموقة، وتلميع إعلامي، وجوائز، وسفريات، ومكافآت، ورضا السلطة..
كذلك كشفت عن أن أصحاب هذا الفريق الممالئ للنظام من مثقفين وإعلاميين، من فرط دفاعهم عنه: "يعيشون في رغد من العيش وبحبوحته، وفي مأمن من سجن واعتقال ومطاردة، لكن الفريق المقابل، على العكس من ذلك؛ أصحابه: مطاردون، معرضون للسجن والاعتقال، مغيبون من أجهزة الرأي والإعلام، محرومون من تولي المناصب المرموقة، تخاصمهم الجوائز والمكافآت".

 

وكان من أعجب التهم التي كيلت للمنتمين للجماعة أن اتجاههم "شمولي واستبدادي"، لا يؤمن بالديمقراطية وحرية الآخرين، وأن ما يدعونه من قبول باللعبة الديمقراطية إنما لكسب الوقت، حتى إذا تمكنوا، انقلبوا على هذه الديمقراطية!!

 

هنا كان لا بد أن نفضح المفارقة المنطقية العجيبة، في هذا "يتهمونهم بأنهم لا يطيقون السماح لغيرهم بحرية التفكير، فهل أنتم تتيحون لهم هذا الحق؟ لقد همس لنا السابقون: لا تنه عن خلق وتأتي مثله!!"

 

وتساءلت متعجبًا: من الذي يمارس قهرًا واستبدادًا وإقصاء؟ "فالإسلاميون هم الذين يُعتقلون ويُسجنون، وهم الذين تمتلئ بهم ساحات المحاكم، في أحسن الأحوال، وهي محاكم غير عادية "عسكرية" على غير ما تقتضيه أبسط قواعد العدل، ويزج بهم من غير محاكمات في معظم الأحوال، فمن الذي يعادي الديمقراطية؟".

 

أما بالنسبة للرد المكرر بأن ما يتم ضد الإسلاميين، عامة والجماعة خاصة هو "لحماية المجتمع من شرور أفكارهم"، عدنا إلى التساؤل: أليس هذا هو نفسه ما تعلنون أنكم تخافون أن يفعلوه معكم إذا وصلوا إلى الحكم؟".

 

وكان مما يغيظني حقًّا، هذه الفئة من حملة الأقلام، ومناضلي الشاشات التليفزيونية الذين يظهرون أمامنا باعتبارهم حراس الديمقراطية وممارسة حق التعبير، فإذا ما وقع ظلم على أحد من الإسلاميين، ركنوا إلى الصمت.

 

برز هذا واضحًا عندما عُبئ المناخ العام ضد أقطاب العمل الاقتصادي من قيادات الإخوان، وعلى رأسهم حسن مالك، وخيرت الشاطر، حيث عصفوا بشركاتهم، وصادروا أموالهم، ولم يكتفوا بهذا بل قدموهم إلى المحاكمة العسكرية، ودائمًا أتساءل: هل المتباكون اليوم على محاكمة مدنيين أمام القضاء العسكري، أين كانوا وهذه الكوكبة تحاكم عسكريًّا على غير ذنب ارتكبوه؟

 

من هنا كان مقال لي بعنوان (هذا الصمت المريب) نشرته جريدة (الوفد) في 24/11/2007، وقدمت لذلك بقولي في المقال: "إن النظم المستبدة لديها من الجرأة على الحق يسهل لها أن تختلق الذرائع، والأسباب المجانبة للحقيقة. ومن هنا فما من وقت يمر إلا ونشهد غارة من النظام القائم حاليًا على صرح من صروح الحرية أو العمل الوطني، طالما كان هذا الصرح أو العمل لا يسبح بحمده، ويسعى في ركابه، ويشارك في افتراءاته".

 

ولم يكن موقفي هذا المدافع عن المُقَدمين للمحاكمة العسكرية، بناء على مجرد "سماع"، فقد كانت زوجة أحد المحاكَمين، من عُمد المشروعات الاقتصادية، باحثة للدكتوراه، تحت إشراف زوجتي الأستاذة ببنات عين شمس، والتي كنا نلمس أنها تعيش مع أسرتها والحمد لله في بحبوحة نسبية، فإذا بعد سجن زوجها ظلمًا في هذا الوقت مع بقية إخوانه، تعاني معيشةً ضنكًا، حيث بددوا ما كان من مقومات الشركة، ودمروا رأسمالها، مع علمي اليقين أن مثل هذه الأسرة أسرة نفخر بها، وبنهجها.. وكان من الطبيعي أن تتوقف السيدة "البارة" تمامًا عن البحث العلمي- إلى حين- حتى تتفرغ "لملمة" أحشاء الكيان الأسرى الذي تعرض، مثل غيره، لضربات موجعة.

 

وسميت المجموعة التي تعرضت للمحاكمات العسكرية بأنها مجموعة "معظمها من بناة الاقتصاد الوطني، بغير مضاربات، ولا نهب بنوك عن طريق الاقتراض، ثم الهرب، وعلماء على درجة عالية من العبقرية والإبداع، وأساتذة جامعات، عُرفوا بين طلابهم بالإخلاص والعلمية.

 

ولأن كل هؤلاء ينتمون إلى جماعة يخاصمها النظام ويخشى منها على نفسه من اتساع دائرة شعبيتها، وعلى العكس من ذلك، اتساع دائرة الكراهية له، لم يتورع عن التذرع بالعديد من الأسباب التي تجانب الحقيقة، كي يحيلوهم إلى محاكمة عسكرية استثنائية، لم يُحل إليها آخرون ممن أغرقوا أكثر من ألف مصري في البحر الأحمر، ومن تسببوا في التعذيب والتشريد لكثيرين، وسرقوا أموال آلاف المصريين في البنوك.

 

ووجهت الدعوة إلى المغايرين فكريًّا، من ضرورة التكاتف مع أصحاب هذه القضية.."لنختلف مع الإخوان ما شئنا، ولنتغاير معهم في النهج والهدف، ولكن، إزاء هذه المحاكمات العسكرية، لا بد من التآزر والتكاتف لرفع الظلم الواقع على مجموعة من خيرة المواطنين الشرفاء".

 

وكم أشعر بكثير من الأسى والسخرية، عندما أرى اليوم بعض رافعي لواء الديمقراطية على صفحات الصحف وعبر الفضائيات، وهم يبثون الترهيب والتخويف ممن تعرضوا للظلم عشرات السنين الماضية، فأين كانوا من الديمقراطية إزاء هذه المحاكمات العسكرية الماضية؟، بل وأين كانوا من قضية حزب شرعي، (العمل) عندما "جُمد"، وأوقفت جريدته (الشعب)، رغم "13" حكمًا قضائيًّا ضد إجراءات النظام الفاسد القاهر؟!!

 

وكان لا بد أن أتعرض أكثر من مرة للكاتب الشهير محمد حسنين هيكل، أثناء سلسلة أحاديثه على شاشة (الجزيرة)، عندما يغمز ويلمز، كلما جاءت "سيرة" الإخوان، ولا يُتوقع منه غير ذلك، خاصة أنه فيلسوف نظام أخذ على عاتقه مهمة القضاء على الجماعة والتنكيل بهم بصورة بشعة.

 

وكان مما كتبتُه تعليقًا على بعض أحاديثه، مقال نشرته (الدستور) في 5/11/2009 بعنوان (هيكل والإخوان)، كان مما جاء فيه إشارة إلى ما كان قد ذكره هيكل من أنه أثناء عدوان 1956 على مصر، شاركت كل القوى الوطنية، أيًّا كان اتجاهها في المقاومة الشعبية ضد الغزاة، ما عدا الإخوان المسلمين!

 

فالواقعة في حد ذاتها، صحيحة، والذي يسمعها من الأجيال الحديثة لا بد أن ينظر بغير رضا إلى الإخوان، لكن إغفال ذكر ما يتصل بالواقعة من جوانب أخرى، فيه افتئات على الحقيقة، ذلك أن هيكل لم يذكر أن الإخوان كانوا في ذلك الوقت، جميعًا داخل السجون والمعتقلات!

 

كذلك قوله إنه جلس مع حسن البنا مرة بعض الوقت، بعد مقتل النقراشي، في مكتبه عندما كان ما زال بـ(أخبار اليوم)، فشعر بأن الرجل بالفعل رجل نادر، لكنه- هكذا حكم هيكل- لم يملك فكرًا ونظريةً!!

 

لقد ناقشت هذا الرأي طويلاً، ودون تطرق إلى تفاصيل، تساءلت: كيف يقال هذا عن رجل، كان يتحدث عدة ساعات، كل ثلاثاء، ويسمعه ألوف من الناس، مرات عديدة، ويتعلقون به تعلقًا يصل إلى حد الاستشهاد في سبيل الدعوة التي كرس حياته لها؟!

 

إن الحديث عن كل ما كتبت يمكن أن يطول أكثر من ذلك، لكني أكتفي بهذا القدر، حيث هناك كتابات أخرى مماثلة، كلها كتبت في ظل النظام المستبد، دون أن أقصد الدفاع عن الجماعة في حد ذاتها، رغم أن هذه الكتابات تبنئ بذلك، وإنما- بالإضافة إلى هذا، كانت هذه الكتابات من أجل:

* حق كل إنسان في التعبير عن رأيه..

* تنديدًا بكل أساليب البطش والقهر التي تُتبع ضد حملة الأقلام وأصحاب الدعوات.

* التأكيد على أن مصر وطننا جميعًا، ليس من حق فريق أن يحتكر العمل الوطني، على أرضها، وحده.

* محاربة محاولات التخوين لمن يخالفنا في التوجه..

* حق كل مواطن أن يسعى إلى السلطة، بالطرق والآليات التي يحددها القانون.

* أن تكون وسيلة المواجهة مع الرأي المغاير، حوار ونقاش، وجدال بالتي هي أحسن.