د.إيهاب فؤاد

 

الأمطار تغرق ميدان التحرير، وكأنها آية من آيات الله لينفض العرس دون عناء أو مجهود، جند من جنود الله يرضخ له الجميع دون قنابل مسيلة للدموع، ودونما مركبات للأمن المركزي، إنها إرادة الله التي تعطي مؤشرًا على توفيق الله لهذا الوطن وعلى كرمه، انفضَّ عرس التحرير وعاد الثوار مرغمين إلى بيوتهم إلى إشعار آخر.

 

هاتفني صديقي صبيحة يوم الانتخابات فقال: هناك زخات من المطر، فقلت له: هذا بشير خير، فالأمطار تحمل الخير في طياتها، لعلها الخير المكنون والدر المنثور على رأس هذا الوطن، تابعت بِنَهَم، تركت مكتبي لأتسمر أمام التلفاز مع بداية يوم الاقتراع، لم أتمالك عيني من الدمع الذي سال على خدي، هذا الشعب الذي حُرِمَ أن يشعر بقيمة صوته، ملايين من المصريين تعرف قيمة صوتها لأول مرة، عجائز يصِلْنَ إلى لجان الاقتراع وقد تحاملن على أنفسهن وهن يحلمن بالحرية، ويتمنون على الله أن يهيئ لهذا الوطن من يصلحه، وأن يولي عليهم خيارهم، لا يرغبون إلا في الأمن يعود إلى ربوع الكنانة، جُل أمانيهم أن ينتخب الشعب رئيسًا صادقًا بأصوات حرة، ذرفتُ الدمعَ ساخنًا دون قصد مني، وقلت لا سامح الله مَن حرمهم هذه النعمة، كم هو جميل أن تشعر بقيمتك كإنسان، أن تنعم بالوجود الذي سخَّره الله من أجلك، أن تشعر أن كل صوت له وزن، أن ترتقب النتيجة دون أن تعرفها سلفًا، والأجمل أن تسلك راضيًا سواء كانت لك أم عليك، وأن تقبل بها، تهنئ من وفَّقه الله وتدعو له بالتوفيق والسداد، وتصافح مَن لم يوفق، وهدفنا واحد؛ لا بد أن ينهض الوطن الجريح، لا بد أن يعود إلى الحلبة.

 

الدنيا كلها توقعت شلالاً من الدم طالما روَّج له المغرضون، وبُهِرُوا حين رأوا الأمن الذي وفق الله الجيش والشرطة قادةً وجنودًا ليعم الديار، ولعلها فرصة أن تستمر تلك القبضة، وألا نعود إلى الوراء، اختفى اللصوص سارقو الذمم والبلطجية في الجحور، إرادة واحدة وحلم واحد؛ لا بد أن ننهض من كبوتنا، لا بد أن نعود لتقعد الدنيا كما كانت من مصر مجلس التلميذ من أستاذه، اليوم يرتفع رأس المصري شامخًا عزيزًا غير مهان.

 

لقد كنا نعاني في الغربة من أنه لا يقام لنا وزن، وكنت كلما تحدثت مع غيري أقول لهم هُنَّا على قادتنا فكنا على غيرنا أهون، أما وقد تغير المشهد وانقلب السحر على الساحر وعدنا نستنشق هواء نظيفًا، عادت لكل مصري كرامته، الملحمة تكتمل والأسطورة ترسم ملامح السعادة في خاتمة حسنة بإذن الله، اليوم يوم الحب، يوم المرحمة، يوم الوحدة، يوم التسامح، يوم التلاحم، تعالوا إلى كلمة سواء، يدًا بيد نبني مصر ونرسم أملاً على وجوه الأطفال، دعهم يحلمون بغد أفضل، تعالوا ننسى خلافتنا، تعالوا نفسح الطريق نحو العمل والإنتاج، حرمنا كثيرًا، وغرسنا كثيرًا وقد آن أوان القطاف، تعالوا نكمل العرس، نعلق الزينة في كل بيت وحارة وشارع، تعالوا نتلاحم ولا نختلف، نتواصى ولا نتناطح، هذا يوم الوفاء، تعالوا نعيد للجيش هيبته، ونقلب صفحة جديدة مع الشرطة وهمنا مصر التي نعشقها حتى الثمالة، فما قابلت في حياتي أناسًا يحبون أوطانهم كما يفعل المصريون، تعالوا نقول للدنيا بأسرها أن دماء شهدائنا لم تضع هباء، تعالوا نحمل الدعوات للشهداء والمصابين والجرحى بيوم الوفاء، تعالوا نرد الفضل إلى الله وحده الذي وفقنا لهذه الثورة العظيمة وهيَّأ لها سبل السداد.

 

ثم إلى أولئك الذين قضوا حياتهم لنعيش هذه اللحظة، اليوم يستريحوا في قبورهم، ويهنئوا في عيشهم، اليوم نوفيهم حقهم غير منقوص، تعالوا نستخرج المخبوء من الخصال الحسنة، تعالوا نرتقب بدعاء خالص أن يكتمل العرس، وتعم الفرحة، وأن تمر بسلام وأمن، حفظ الله مصرنا من كلِّ سوء.