لا شك أن موقف القوى العلمانية والليبرالية واليسارية من الإخوان واضح لا يحتاج إلى دليل؛ ورغم ذلك فالإخوان يقدمون أيديهم لعمل تحالفات تسمح للمصريين أن يتولوا رسم مستقبل بلادهم وإدارته؛ إيمانًا منهم بأن تكاتف الجميع وتوافق كل القوى والأحزاب هو الحل؛ للخروج بمصر من أزمة المرحلة الانتقالية بعد أن تخلصنا من على بابا وحده، والذي ترك من خلفه "الأربعين حرامي" ومضاعفاتهم!! هذا كلام معلن منذ زمن ولم ينشغل الإخوان بالحديث عنه أو تجريح غيرهم؛ لأنه لا وقت لديهم لذلك ولا أخلاقهم تسمح بذلك، ولعل قضية نزول ميدان التحرير بعد جمعة 18 نوفمبر قد أثارت لغطًا كثيرًا أرجو أن يتفهمه المخالفون للإخوان بشكل ديمقراطي؛ بعيدًا عن التخوين الذي يجيده البعض ويصدره للشباب الغض الذي يمارس العمل السياسي، ويخوض غمار العمل العام لأول مرة في حياته فيردده طبقًا لما يسرده الطرف الكاره للحركات الإسلامية من وجهة نظره!.
وحقيقة الوضع تبدأ منذ الاستفتاء الذي قسم رغبة المصريين بين القبول والرفض، وهو في إطار الاجتهاد الذي لا يجوز فيه تخوين أو يصح معه سباب!! ثم تم تأجيل الانتخابات بناءً على رغبة الحركات الشبابية والأحزاب الوليدة التي ترغب في التواصل مع الشعب قبل الانتخابات، وذلك لمدة شهرين! اشتد فيهما الحديث حول مبادئ فوق دستورية، وتعددت فيهما الوثائق، وصارت كلها استرشادية للهيئة التأسيسية المختصة بوضع الدستور! وقبيل الانتخابات فجَّر دكتور علي السلمي الوفدي ونائب رئيس الوزراء للتحول الديمقراطي وثيقة التقطها من الوثائق المطروحة، وأضاف إليها برضى من الوزارة والمجلس العسكري بنودًا مستفزة لا يمكن قبولها؛ وذلك لإثارة الشارع المصري، ودفعه إلى إعلان الغضب؛ خاصة مع رفض الوزارة أي تعديل وصمت المجلس العسكري! وأعلن الإخوان وحزب الحرية والعدالة وغيرهم من التحالف السياسي عن مليونية في جمعة 18 نوفمبر على أن تنتهي بعد صلاة المغرب، دون الحاجة إلى اعتصام! ونظرًا لوصول معلومات عن مخطط لإثارة الفوضى في الأسبوعين الأولين من شهر الانتخابات –نوفمبر- فقد أحكم الإخوان السيطرة على الميدان؛ فلم يتمكن بلطجة النظام ومجرمو الفلول من إثارة الشغب وسط جمهور المليونية! لكن بعد الانصراف تم ضرب المعتصمين من المصابين وأسر الشهداء أمام مجمع التحرير بواسطة عساكر الجيش والشرطة بشكل عنيف ومثير للغضب، وسمحوا بتصويره ونشره على المصريين ليتقاطر المصريين الغاضبين إلى الميدان فرادى وجماعات؛ رفضًا لعودة بلطجة الشرطة مرة أخرى دون ترتيبات قوية تنظم وجودهم وتحدد سقف مطالبهم وتؤمن وجودهم، وقد ظن المتآمرون أن الإخوان سيحشدون لإعلان هذا الغضب وهنا يتمكنون من إثارة الفوضى والمواجهات العبثية بين المصريين وإهدار دمائهم، وخلق حالة من عدم الاستقرار تسمح بوقف الانتخابات التي تسحب نصف السلطات الممنوحة للمجلس الأعلى وهي السلطات التشريعية؛ لاستكمال خارطة الطريق التي وافق عليها المصريون في الاستفتاء وصدر بها مرسوم دستوري لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، وإلا اعتبر ذلك انقلابًا على الثورة وبداية الدخول في نفق مظلم بلا سقف لإنهاء حكم العسكر!
وقد وضعت الخطة لوضع الإخوان في حرج محكم، يتسبب في خسارة الإخوان حتى لو استكملوا الانتخابات، فإذا نزلوا "يتكهرب" الميدان، ويختلط الحابل بالنابل، في غياب سيطرة ميدانية على الأرض، ويزداد العنف ويراق مزيد من الدماء، يحمل وزرها الإخوان! وإذا قرروا عدم النزول فقد انحاز الإخوان إلى الانتخابات وتحقيق مصالحهم، ولا مانع وقتها من اتهامهم بإبرام صفقة مع المجلس العسكري (الذي خرجوا عليه الجمعة السابقة للأحداث رفضًا لمنحه وضعًا مميزًا فوق الدستور)، وأنهم خانوا الثورة، وبذلك يخسرون كثيرًا من شعبيتهم! ونظرًا للمعلومات التي لدى الإخوان وبممارسة شورية في مكتب الإرشاد ومسئولي المحافظات قرر الإخوان عدم النزول؛ لمصلحة الشرعية الدستورية حتى لو خسروا من سمعتهم عند من تم شحنهم ضدهم!
وتأكيدًا لتضامن الإخوان مع من في التحرير أصدروا بيانات قوية ضد المجلس الأعلى والوزارة لمسئوليتهم عن سفك دماء شباب مصر، وترك الفتنة على أعتاب شارع محمد محمود دون حسم لأيام، بعدما تجمعت الدلائل على وجود خطة لإثارة الشغب واستمرار المواجهات بين شباب التحرير وقوات الأمن، كما أقروا بحق المصريين في التظاهر السلمي، وتأييد مطلبهم بتحديد موعد للرئاسة، وعزل الوزارة، ومحاسبة القتلة، والإفراج عن المعتقلين من غير المسجلين خطرًا، وقد اتفق الطرفان على ضرورة إنهاء حكم العسكر، وقد اجتمع على ذلك شرعية دستورية تبدأ بالانتخابات البرلمانية، وشرعية ثورية تصر على وزارة جديدة لها صلاحيات رئيس الجمهورية، وتعبر عن الثورة لا عن النظام السابق الذي ما زال رجاله في كل المؤسسات والوزارات والمحافظات دون تغيير ملحوظ في التفكير أو السلوك! وذلك هو المخرج الوحيد من نفق الاتهامات التي تأتي من الميدان للإخوان؛ فعندما تتكامل الجهود وتساند بعضها بعضًا فذلك علامة التوافق وقوة الموقف الواحد الذي يصب في هدف واحد، وهو تحويل مصر إلى دولة مدنية ديمقراطية حرة، بعيدًا عن حكم العسكر؛ خاصة أن الإخوان قد تعودوا الفترة السابقة على اتهامات ثابتة، فإذا نزلوا الميدان ابتداء فهم يستعرضون القوة، وإذا نزلوا استجابة لآخرين فهم يركبون الموجة، وإذا لم ينزلوا فهم قد خانوا الثورة ودماء الشهداء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.