في أجواء من الاشتباك الخشن والشقاق المتعمَّد في ظل منظومة حكم متردٍّ أتاحت المزيد من الفرص لبقايا النظام البائد للتمدد في الفراغ الموجود والمساحات الشاغرة؛ ندخل بعد أيام قليلة المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية في مصر بعد ثورة 25 يناير، ونقف أمام صندوق الانتخابات يوم 28/11/2011م، في أول اختبار ديمقراطي حقيقي وممارسة سياسية مأمولة.

 

لأول مرة في تاريخنا السياسي نذهب إلى الصندوق ولا يعلم أحد النتائج مسبقًا، أو يتشكَّك فيها.. لأول مرة هذا العدد الكبير من المرشحين؛ ما يؤكد ثقة المصريين وأملهم في ممارسة سياسية نزيهة وشفافة.. لأول مرة نعيش أجواء انتخابية دون مضايقات أمنية واعتقالات، بعد حلِّ جهاز الإثم والعدوان (أمن الدولة سابقًا).

 

في هذه الأجواء يُطرح تساؤل مهم وحيوي: هل سحب الميدان من رصيد الإخوان؟! بمعنى: 

 

هل عدم نزول الإخوان إلى ميدان التحرير في مليونية الثلاثاء الماضي وجمعة الإنذار الأخير 25/11 أثَّر بالسلب في رصيدهم الشعبي وكتلتهم التصويتية؟ وإن كان الأمر كذلك فلمن ذهبت هذه الكتلة المسحوبة؟ هل ينجح الزخم الإعلامي الذي يملك المال بلا حدود في سحب- ولو جزء من البساط الشعبي- من تحت أقدام الإخوان؟!

 

التساؤلات متعددة والإجابات متنوعة والاختبار بعد أيام قليلة..

 

شواهد ودلالات

 

* الكتلة التصويتية الغالبة بعيدة كل البعد عن هذا العراك المفتعل، وكل ما يعنيها هو سرعة التحول الديمقراطي الآمن الذي يتبعه الاستقرار الأمني والنهوض المعيشي.

 

* النخبة الإعلامية الحاضرة في الفضائيات تعبِّر عن برامج محدودة أو حسابات قديمة أو سقف مطالب غير واقعي ولا ممكن.

 

* المطروح يعبر وبدرجة امتياز عن فكر الاختزال ومصادرة التنوع وتعظيم الشقاق واستبعاد الوفاق.

 

* تأكيد الإخوان في بياناتهم المتتالية على سبب عدم نزول الميدان بوضوح دون مواربة نال تأييد عدد غير قليل من النخبة ونسبة كبيرة من عموم الجماهير، خاصةً مع ممارسات الانفلات الأمني المتعمَّد في عدد من مدن مصر خلال الأيام القليلة الماضية.

 

* التجارب العملية القريبة جدًّا والمتمثلة في الانتخابات النقابية "المعلمون- المحامون- المهندسون"، وما صاحبها من نسب حضور كبيرة وممارسة ديمقراطية ناضجة ونتائج متوازنة؛ كل ذلك يؤكد أن شعبية الإخوان لم تتأثر بالسلب.

 

* الرصيد الإيجابي للإخوان عبر عشرات السنين "الاجتماعي- التعليمي- التربوي- الصحي..." يمثل حائط صد متينًا أمام الحملات الإعلامية.

 

* شبكة العلاقات الاجتماعية المتينة التي تتمتَّع بها الجماعة في كل ربوع مصر تاريخيًّا وواقعيًّا تمثل قوة دافعة للجماعة أمام كيانات لا تملك هذا الرصيد ولا هذه الشعبية.

 

* ما تملكه الجماعة من توحد الفكرة ومتانة التنظيم وانضباط الحركة، يمنحها العديد من الفرص في مقابل العديد من التحديات أمام الكيانات الأخرى.

 

خلاصة الطرح: موضوع الرصيد الشعبي نسبي ومتغير ومتجدد، يزيد أحيانًا ويقل أحيانًا؛ وفقًا للمناخ والمزاج العام، لكن يبقى الرهان على الموارد الأساسية التي يملكها فصيل دون غيره؛ متمثلةً في الموارد البشرية والفكرية والقيمية وسابقة الأعمال من الوجود والانتشار والعمل المنتج. 

-------------------

* كاتب مصري.