مما أفزعني وأنا أتابع المشهد المصري هذا الوابل من التخوين والشتائم والقذف لكل من يخالف الرأي، فترى الموجودين في التحرير يتهمون مَن هم في خارجه بأنهم خونة متكاسلون عن حقوق الوطن غير وطنيين، ومَن لم ينزل التحرير يقول وبكل ما أُوتي من قوة وما الذي أنزلهم؟ ولماذا يفعلون ذلك؟ لقد خربوا البلاد وأفسدوا العباد، وتسببوا في نزيف دماء لم ينقطع، وابل من الاتهامات المتبادلة، شد وجذب لا أحد يريد أن يسمع للآخر ولا يلتمس عذرًا ولا يقبل أي اختلاف معه، لا مكان لقبول رأي الآخر فهذا يمزق لافتات المرشح المنافس، وهذا يبحث عن سقطات الآخر لمجرد أنه نافسه ووقف أمامه في حلبة الانتخابات، مفزع ما يحدث.. وأما عن برامج "التوك شو" فحدث ولا حرج، الصراخ والعويل، حتى إن أذني أشعر بها تصرخ كفى لقد تعبت من هذا.
يا سادة مفزع ألا يسمع كل منا صاحبه، مفزع أن افترض في نفسي الصواب وأما غيري فخطأ لا صوابَ معه، مفزع أن أطالب الجميع أن يكون خلفي في صفي وإلا فهم أهل الخطأ الذين لا يعرفون للصواب طريقًا، عشت هذه الفكرة وأزعجتني وأرهقتني فقلت سبحان ربي الأعلى، أنسينا أن الاختلاف سنة ماضية كائنة موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومنَّ عليها؟!، حقيقة نراها بأعيننا كل يوم؛ لا لا بل كل لحظة في حياتنا لا يجتمع الناس على ملبس واحد ولا مشرب واحد ولا بيت واحد ولا قناعة واحدة ولا تعليم واحد ولا.... ولا ....، وأين ثقافة الاختلاف التي هي من المفترض أن تسير بها حياتنا، للأسف لم نتربَّ عليها، لم يزرعها كثيرٌ من الآباء في نفوس فلذات أكبادهم، لم يرها الطفل في صغره، فشبَّ على أنه الوحيد الذي ما أن يتكلم حتى يصمت الجميع.
لكم هو ديننا عظيم، انظر إليه وهو يتعامل مع الأمر بواقعية فيفتح بابًا عظيمًا اسمه التماس الأعذار، ويدعو الجميع ليتعايش مع مَن يختلف معه بل إنه وضع الحصانة لمن أخطأ في اجتهاده: (المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ له أجر)، إن النبي صلى الله عليه وسلم يضع حصانة لمن أخطأ طالما أنه بذل أقصى ما في وسعه في اجتهاده، وبالطبع بعد أن توفرت فيه شروط الاجتهاد، إنه الأدب مع المجتهد المخطئ، فلماذا لا نقبل الرأي الآخر الذي يجتهد أن يكون على صواب مثلك تمامًا.
إن مجتمعًا سماه صاحب الظلال "جيل قرآني فريد" تربى على "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا"، كيف لنا أن نجد فيه مَن يسفه عقلاً، أو يجهل استنباطًا، أو يحتقر رأيًا ؟!.
حادثة شهيرة هي حين حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للوصول إلى بني قريظة "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة"، فانقسم البعض تمسك بظاهر الكلام فصلَّى في بني قريظة بعد فوات وقت الصلاة، وبعضهم صلى في الطريق خوفًا من فوات الصلاة، وتأتي رحمة النبي صلى الله عليه وسلم مستوعبًا كل اختلاف وكل اجتهاد طالما أنه على الحق وبالحق، ويتعايش كل فريقٍ مع اجتهاد صاحبه، طالما أن النوايا صادقة والقلوب صافية والوصول للحق هدفٌ للجميع.
بل إننا قرأنا كثيرًا نقد السيدة عائشة رضي الله عنها تنتقد فتاوى الصحابة، وتُبدي رأيها في المسائل، حتى إن الإمام السيوطي في كتابه عين الإصابة في استدراكات عائشة على الصحابة، جمع مواقف عائشة رضي الله عنه، التي كانت تخالف فيها آراء كبار من الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وغيرهم من الصحابة.
ونرى الإمام أحمد بن حنبل يرى أن خروج الدم ينقض الوضوء، ولكنه عندما سُئل: أتصلي خلف رجلٍ احتجم ولم يتوضأ؟ قال: "سبحان الله!!.. كيف لا أصلي خلف مالك بن أنس وسعيد بن المسيب؟!".. أليس كل هذا أدب نحتاج إليه في خلافنا؟!.
وما أروع ما كتبه الإمام مالك صاحب الموطأ عندما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعًا عليه، فأبى مالك- رحمه الله- فقال: يا أمير المؤمنين.. إن أصحاب رسول الله قد تفرَّقوا في الأمصار، ومع كلٍّ منهم علم، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
وأما الخليفة الثالثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا صلى العيد يرقى المنبر ليخطب في الناس، ولكن الناس فهمت من تقديمه للصلاة على الخطبة أن الخطبة غير ملزمة فكانوا يصلون ويخرجون، وقد رأى عثمان في ذلك موقفًَا غير حميد، فأمر الناس أن تُؤخَّر الصلاة وأن تُعجَّل الخطبة.
وحين بلغ ذلك أبا ذر الغفاري، وكان على ثغر من ثغور المسلمين، غضب لذلك، وأعلن أن عثمان جانب الصواب في ذلك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُقدِّم الصلاة على الخطبة، ولكن لما جاء يوم الأضحى أمر أبو ذر أن تكون الخطبة قبل الصلاة تمامًا كما فعل عثمان، قالوا له مستغربين: ولكنك أنكرت هذا على عثمان؟!..
قال: نعم.. ولكنَّ الخلاف أشد.. أظن أن الكلام لا يحتاج لبيان.
يا سادة لنا أن نقول ونحن ننصرف عن هذه الورقة ما أن تصدق النوايا ويبتغى الوصول للحق أينما كان وعلى أي يد يكون تجتمع القلوب على الحب لله وفي الله وظهر التماس الأعذار.. والله المستعان.
-------
* مدير تحرير موقع منارات ويب للعلوم الشرعية-