الصورة غير متاحة

 د. إيهاب فؤاد

"ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول وأنيروا أشعّة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البرّاقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلاّبة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد".

 

بهذه الكلمات وجه الإمام البنا رحمه الله تعالى جموع الإخوان المخلصين لهذه الدعوة، وكأني برجل ألهمه الله تعالى الحكمة وحسن البيان، لقد كان يقرأ الأحداث، ويعي ما يدور ويحاك بأمته وبهذا الصف، لقد أطلقها منذ عقود؛ لكنها تحاكي اليوم مواقف تمر بها مصرنا الحبيبة، لقد ذرفت العيون خلف الشاشات وهي ترى مشاهد القتل بدم بارد لخيرة شباب هذه الأمة، فليس على ظهر الأرض أنقى ولا أطهر من أولئك الذين سالت دماؤهم لتحيا أوطانهم عزيزة كريمة، مع ضخات الدماء تفقد الكلمات معانيها، وتتحول البلاغة إلى ترهات، فميدان القول غير ميدان العمل، لكن الجنة تحت ظلال السيوف وتحت وقع النيران.

 

لقد تألم كل مصري غيور وهو يرى كرامة الميت التي حضت عليها كل الأديان تهان وهم يسحبونها ليلقون بها بجوار حاويات القمامة، ورأينا مشاعر الحقد والغل ممن أُنيطَ بهم حماية الدم والعرض وأحدهم يحمل عصا غليظة ليهوي بها على رأس شهيد، ورأينا ذلك الشاب المفتون بشبابه (ملازم أول) وبما يحمله في يده من سلاح وهو يصوب تجاه المتظاهرين في مشهد ألهب المشاعر، ورأينا بأم أعيننا تلك الوحشية المنقطعة النظير مع من آثروا الاعتصام على العودة إلى بيوتهم ولا أعلم لهذا سببًا منطقيًّا، وجمعتني حوارات مع إخوان لي في الله أحسبهم على خير وقد استشاطوا غضبًا وراحوا يرددون ما يردده الناس، ويطلبون بنزول الإخوان إلى الميدان لحسم الأمر، ولما تناقشنا طويلاً وتذاكرنا الثقة في المنهج والقيادة التي تتابع عن كثب، وترقب وهي لا تنام الليل أدركنا أن في الأمر شيئًا لا نعلمه، وشممنا رائحة المؤامرة على الوطن، ورائحة الانقلاب على شرعية الثورة، ومحاولة تجنيب البلاد السير في طريقها إلى الحرية بتعطيل كل إجراء دستوري.

 

وعدنا نقلب في المنهج فكانت الكلمات مدوية وهي تحثنا على أن نلجم نزوات العواطف بنظرات العقول، فما أيسر على الإخوان أن ينزلوا، لكنهم في كل أمرهم وعبر طريقهم الطويل يغلبون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، كان علينا أن نعود إلى أنفسنا فما كان الإخوان يومًا طالبي دنيا أو طالبي مغانم، ولقد كان شعارهم في كل نزال أنهم يشاركون ولا يغالبون، ولعلنا أدركنا أن حقن الدماء وتفويت الفرصة على المتربصين بثورة هذا الوطن أولى بكثير من غير أن ينقص ذلك من شجب واستنكار لأساليب العهد المظلم في ظل الديكتاتور السابق، أقول للمتربصين بهذا الوطن: اتقوا الله حق تقاته قبل أن يخطفكم الأجل أو يفجعكم الوجل، وأذكر المرابطين بقول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)) (البقرة).

 

لقد منَّ الله علينا ورأينا بأم عيوننا آيةً بينة وعبرًا لا تغادر عاقل دون أن يقف أمامها، كيف أزيلت الطواغيت، وكيف تحول السجان إلى سجين، والطاغية إلى محروق أو مقتول أو هارب أو مسجون، وما زلنا نجد من يتمسك بالدنيا وما فيها، لقد جبلت على الكدر والبلايا حتى لا يطمئن فيها أحد من الناس، فإذا اشتد بالناس الكرب ونغص عيشهم السقم والمرض اشتاقوا إلى جنة لا نصب فيها ولا وصب، وإذا كدر صفوهم فراق الأحبة اشتاقوا إلى لقاء يجمعهم عند مليك مقتدر، وإذا تكدر عيشهم بخوف أو فزع اشتاقوا إلى دارٍ لا وجل ولا فزع فيها، وإذا كدر عزهم طاغية استشعروا الذل بين يدي الله الذي يتساوى أمامه جميع المخلوقات، ويستوي الناس غنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم، قويهم وضعيفهم، صحيحهم مريضهم.

 

وأقول للمنافحين عن الكراسي لو دامت لمبارك لما وصلتكم، وأقول للباحثين عن الخلود المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب، فاحذروا غضبة الجبار ونقمته، واحذروا الأنفاس التي تخرج ولا تعود، وقدموا لأنفسكم خيرًا تذكركم به الأجيال، وتكون بابًا من أبواب البر التي لا تنقضي حسناتها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، حفظ الله مصرنا، وأنعم عليها بالأمن والأمان ونعمة الحرية.