انبرى مقدم البرنامج محللاً أحداث الجمعة 18/11/2011م، فقال: لقد كان احتشاد هذه الملايين بميادين مصر بمثابة رصاصة الرحمة التي أطلقت على وثيقة السلمي، والآن مع مداخلة تليفونية مع السياسي الكبير الدكتور رفعت السعيد، رئيس حزب التجمع:

- أهلاً يا دكتور.. ما هي وجهة نظرك في هذا الاحتشاد الهائل اليوم، برغم مقاطعتكم أنتم وبعض الأحزاب الليبرالية واليسارية؟

 

- فقال سيادته- والغيظ يقتله-: هذه المليونيات لم تطلق رصاصة الرحمة على وثيقة السلمي، بل أطلقت رصاصة الرحمة على مستقبل مصر كله!!.

 

- شكرًا يا دكتور رفعت.. والآن مع الصحفية المناضلة أمينة النقاش:

 

- إيه رأيك يا سيدتي؟

- تجيب: هذه مظاهرات إرهابية وهابية، شقَّت الأمة لنصفين، وكلها استعراض للقوة، أما هؤلاء المتظاهرون فلا يعرفون وثيقة السلمي، والإخوان يسوقونهم كالقطيع، ويرفضون المناقشة والحوار، ولا يجيدون إلا الحشد والنزول للشارع.

 

- شكر الله سعيك يا أستاذة..

والآن مع نائب رئيس تحرير الأهرام الأستاذ أسامة عبد العزيز:

 

- يقول: والله يا جماعة أنتم لا تعرفون الهدف الحقيقي للمظاهرات اليوم.. الموضوع لا وثيقة السلمي ولا تسليم السلطة للمدنيين.. الموضوع إن الإخوان المسلمين فصيل سياسي ذكي ومتمرس، وقد عرك السياسة أكثر من ثمانين سنة، ولأن الانتخابات بعد أيام فهو يريد استقطاب الطائفة الصامتة والتي لم تحسم رأيها في التصويت بعد، فعندما يرون هذا الحشد الهائل سيتأثر الكثير وسوف يحسمون أصواتهم لصالح القوة التي يرونها مسيطرة.

 

- - والله شكرًا يا أستاذ أسامة.. على الأقل لم تهاجم أو تشكِّك، وجعلت الموضوع مجرد مناورة انتخابية، وكما يقولون: "الأعور أحسن من الأعمى".

 

والآن مع هذا الحوار مع الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ جمال فهمي، وعلى غير العادة ظهر الأستاذ جمال منفعلاً مستفزًّا ثائرًا، وقد اعتدنا رؤيته هادئًا متفكّهًا، يقول سيادته:

 

- هذه الحشود التي جمعوها بالترغيب وحشروها في الأتوبيسات من المحافظات المختلفة لا تعبر عن مصر.. لقد شاهدت بأم رأسي مئات الأتوبيسات وقد جاءت من الأقاليم والقرى، وقد اصطفَّت على جوانب الميدان.. لقد كانوا يسمون جمعة 29 يوليو جمعة "قندهار"، ولكني أسمي جمعة 18 نوفمبر 2011م جمعة الأتوبيسات.

 

- شكرًا أستاذ جمال فنحن بتوع الأتوبيس، ويبدو أن جماعة الإخوان وكتلة السلفيين قد افتتحوا شركة أتوبيسات جديدة وينتهزون أي فرصة  للتشغيل من باب (اليد البطالة نجسة).

 

هذه عينة عشوائية من تحليلات وآراء هؤلاء السياسيين المتلفزين (وأحتفظ ببراءة الاختراع لهذا التعبير)، والذين يسمون أنفسهم بالنخب، واضح أنهم لم يدركوا بعد ما حدث بمصر ولم يقدروا شعب مصر العظيم حق قدره، ولم يستوعبوا بعد أن في برّ المحروسة أعظم ثورة مباركة وقعت في تاريخها كله، حتى هؤلاء الذين يصفون الثورة بأنها إسقاط نظام وبناء نظام آخر لم يحسنوا وصف ما حدث.

 

ثورة مصر يا إخوانا روح جديدة دبَّت في جسد الأمة حتى لو كانت مثخنة بالجراح أومثقلة بالألم.. المصري اليوم لم يعد مصريَّ الأمس.. شعوره بالعزة والكرامة وجرأته في المطالبة بحقه وطرح الخوف عن كاهله، ثقته بأن البلد بلده وأنه صاحب القرار وحده.. هذا ما أنتجته الثورة.

 

بعد صلاة العصر تنقلت عبر القنوات الفضائية المختلفة واطمأننت أن الحشود مكتظة بميدان التحرير، وأن الشعب المصري ما زال على حيويته التي عشناها طوال ثمانية عشر يومًا، وسمعت الدكتور عبد الرحمن البر يسمِّي يوم 18 نوفمبر 2011م.. اليوم التاسع عشر للثورة، وكأنه استكمال لتلك الأيام المباركة، مثل خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز، والذي جاء بعد عشرات السنوات من استشهاد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب.

 

وإني أزعم أن من سيؤرخ لثورة مصر المباركة سوف يقف كثيرًا أمام أربعة أيام فاصلة في تاريخ الثورة:

 

- اليوم الأول يوم 28 يناير، وحالة الكر والفر بين المتظاهرين، وقوات الأمن من بعد صلاة الجمعة وحتى انكسار الأمن بعد العصر، وبمجرد أن رأيت الدبابات تدخل الميدان قفزت هاتفًا: انتصرنا انتصرنا.

 

- اليوم الثاني 2 فبراير، عندما تصدَّى الأبطال في الميدان للبلطجية في موقعة البغل، وصبروا وصمدوا من العصر وحتى اليوم الثاني ثم دحروا الفلول وطردوهم خارج الميدان.

 

- اليوم الثالث يوم 11 فبراير، يوم خلع الطاغية، ودعاء الملايين بعد صلاة الجمعة وراء الشيخ محمد جبريل، ساعتها شعرت أن الدنيا ترتجُّ لأصوات الملايين وهم يستمطرون رحمات السماء وأن السماء قد فتحت لهم أبواب الإجابة، ساعتها شعرت أن كون الله كله يتجاوب مع ضراعتنا واستغاثتنا برب العرش الكريم.

 

- اليوم الرابع هو أمس 18 فبراير 2011م، هذا اليوم من وجهة نظري من أعظم أيام الثورة وأخلدها، وهو يوم فارق في المستقبل.. لقد راهن الأعداء على فتور الهمة وتسلل الإحباط والإخلاد للراحة، ولكن أثبت هذا الشعب أنه ما زال يقظًا، وأنه مصرٌّ على بناء مستقبله بيده بلا وصاية ولا حماية ولا توجيه؛ فالشعب هو القائد والشعب هو المعلم (قالها جمال عبد الناصر ولم يأبه بها).

 

بعض النخب المتلفزة ما زالت تتعثر في الطريق وتتخبط في الوصف والتحليل والشعب الذكي الأريب يقفز في السماء ويحلق للمستقبل، وأنا أطوف أمس بالكعبة المشرفة كانت ترتفع إلى جانبي دعوات رجل مصري ريفي ووراءه ثلة من العجائز البسطاء: اللهم احفظ مصر في ضمانك وأمانك، والناس من حوله تهتف: آمين، وعندما دخلنا صلاة العشاء سمعت طفلاً إلى جواري يقول في السجود: يارب.. مصر، يا رب مصر قبل أمي وقبل أبي يا رب.

 

هي دي مصر.. يا عم جمال يا فهمي، وشعبها كله بتاع الأتوبيس.