بدايةً، أنا لست إخوانيًّا ولا سلفيًّا، وإن كنت أميل إلى المشروع الإسلامي، وأرى فيه نهضة البلاد واستعادة كرامة الأمة، وأرى أن ما يحدث في التحرير ليس في صالح مصر ولا يرضاه أحد، وأسبابه معروفة لا تخفى على أحد؛ لكن الذي يستوقفني هو تهمة التخوين التي رُمي بها الإسلاميون والإخوان على وجه الخصوص، واتهامهم بالقفز على الثورة، والبحث عن كراسي البرلمان، وتخليهم عن المستَضعفين في الميدان، وإذا كانت شهادات الإخوان في مثل هذه الحال مجروحة، ويراها البعض من باب التعلُّل والتبرير، فإنني أقول إنصافًا لهم:

 

لو أن المسألة بحث عن الكراسي لفعل الإخوان العكس؛ لأن نزول الميادين وسط الحشود هو الذي يجلب الأصوات؛ لكنهم لم يريدوها هكذا، وإنما أرادوا تفويت الفرصة على من نصب هذا الفخ وغيره من الفخاخ لإلغاء الانتخابات، ولجرّ الإسلاميين إلى معركة لن تكون بين الأمن والشعب، وإنما ستُصوَّر على أنها بين الدولة وبين الإرهابيين الإسلاميين، وهنا سيفقد المشروع الإسلامي ثقة الناس به، وستُشن على الإسلاميين حربٌ ضروس داخليًّا وخارجيًّا لتكسير ضلوعهم وتخويف الناس منهم.

 

وقد لاحت مئات الفرص للإخوان أن يفعلوها، لو أنهم يريدون بيع القضية أو كسب الكراسي.. تاريخهم حافل بالمقايضات والصفقات التي رفضوها جميعًا تغليبًا للمبدأ والغاية.. وآخرها عدم ترشح رئيس منهم أو خوض الانتخابات بنسبة 100%، بالرغم من أنهم كانوا دائمًا الأكثر جاهزية والأقرب للشارع المصري؛ ورغم هذا ألزموا أنفسهم بما قطعوه على أنفسهم من عهد، حتى وإن اختلف معهم البعض في هذه النقطة تحديدًا وأنا منهم، إلا أنه يكفيهم احترامهم للكلمة وما استقر عليه الرأي.

 

وليس لأحد أن يزايد على الإخوان.. والتاريخ والمعتقلات والشهداء والتضحيات والإبعاد والإقصاء.. كل ذلك يشهد، ويكفيهم أنهم كانوا المعارضة الحقيقية للحزب الوطني، وهم بلا حزب ولا صحيفة، في حين كانت المعارضة ولا تزال تلعب دور الكومبارس.. أقول هذا من وحي دراستي التي أجريها الآن في تحليل الخطاب السياسي في مصر منذ عام 2000م، وأعرف يقينًا كيف تم تصوير الإخوان وكيف هي قوتهم وتأثيرهم.

 

ثم لماذا التركيز على الإخوان؟ ألِقوتهم وتنظيمهم وثِقَلهم؟ أم لأن المشهد لا يكتمل إلا بهم؟ أم بحثًا عن متصدر- بين قوسين- يشيل الليلة؟ أم لجرجرتهم هم بالذات لمجزرة 1954م؟ أم لشغلهم عن الانتخابات وتفتيت حظهم في التصويت الشعبي؟ أم كل هذا؟ أم غير هذا؟.. لا أحد ينكر أن مصر كلها متعاطفة مع المعتصمين المستَضعفين في التحرير وفي كل الميادين الثائرة، لكن أحدًا لم يكن يتمنى أن يقع ما وقع، والكل يتساءل: مََن السبب في هذه الفتنة؟! ليس بحثًا عن الحقيقة في نظري بقدر ما هو بحثٌ عن (شماعة) تُعلَّق عليها كل الاضطرابات والأزمات والكوارث التي تشهدها الساحة في مصر ما بعد الثورة.

 

وفي بداية الأحداث، أشارت كل أصابع الاتهام- كالعادة- إلى الإسلاميين إخوانًا وسلفيين.. كما أشارت إليهم من قبل في كثير من الأحداث وآخرها أحداث ماسبيرو، عندما أُشيع أن سلفيين ذوي لحى كانوا يدهسون المسيحيين بالمجنزرات؛ إذن هناك من يريد دائمًا الزج بالإسلاميين في كل حدث جلل، فكان من الحكمة ألا ينزلقوا هذه المرة تحديدًا في هذا المنزلق.

 

ثم، مَن قال: إن الميدان خلا من الإخوان والسلفيين والإسلاميين عمومًا؟ الميدان عامر بهم، أطباء ومسعفين، ودروعا بشرية ولجانًا شعبية.. إلخ؛ لكن دون غطاء حزبي.. لكنك لو أقسمت باللات والعزى على ذلك فلن يصدقك أحد!! لأن الاتهام بالتخوين وتشويه الصورة هو أقرب إلى أهواء معظم الذين يلومون الإخوان على عدم نزولهم؛ فنزول الإخوان والسلفيين لم يكن مرغوبًا فيه من الأساس؛ لأن هناك هاجسًا بأن الإخوان والسلفيين سيكسبون أرضًا جديدة ورصيدًا جديدًا كما حدث في موقعة الجمل.

 

إن ما يحدث في مصر والعالم كله ليس اختلافا مع الإسلاميين في الرأي أو المنهج أو المشروع السياسي، وإنما حقد غل وبغض وكره ورفض وغيرة وحسد وسواد قلب!.

 

ثم إن حازم أبو إسماعيل لم يغادر الميدان وراح يدافع عن الذين خالفوه الرأي.. وانظروا ماذا جنى إلا النيل من عرضه وشرفه وتاريخه وتشويه صورته وتحميله الذنب كله.. ولو أن ليبراليًّا أو علمانيًّا مكانه لنادوا به رئيسًا وزعيمًا ومخلِّصًا؛ لكن لأنه إسلامي فلا بد ألا يكون كذلك!!.

 

المعركة الحقيقية قادمة.. فأعدوا لها عدتها، ولا يضرنَّكم من خالفكم.. اتحدوا يا رجال.. لا فرق بين سلفي وإخواني.. نحن جميعًا في كفة واحدة؛ هدفنا واحد وإن تعددت السبل.. وكلها إن شاء الله موفقة.. لا تلتفتوا لمناقص بعضكم ولا يعاير أحدكم غيره، فكلكم والله شرفاء أنقياء.. المنقصة في الحاقدين عليكم الذين لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة.