المعلوم أن هناك قوىً مضادةً لإجراء الانتخابات، مصالحها تتعارض مع أهداف الثورة، هذه القوى كانت فوق القانون.. إنهم لا يريدون للشعب أن يختار حكامه بالحرية، وحجتهم متعارضة مع المنطق والفطرة (أن الشعب لا يمتلك الوعي).

 

والمعلوم أن المجلس العسكري لا يريد الاحتفاظ بالسلطة، بل التطويل فقط، وصولاً إلى ترتيبات دستورية وسياسية، ليس هذا مجالها، هذه القوى المضادة تهاجم العسكري ثم تنادي باستمراره بالسلطة في تناقض واضح يمكن تفسيره بتقسيم هذه القوى لقسمين:

 

الأول: شديد التطرف.. يرى أنه لا بد بكل الوسائل السلمية وغيرها من تأجيل أو إلغاء الانتخابات لمنع وصول الإسلاميين لأغلبية البرلمان، وذلك ببقاء العسكر في الحكم لفترة أطول.

 

الثاني: غير متطرف.. يرى أن فشل الإسلاميين السياسي بعد فوزهم بأغلبية البرلمان والحكومة هو وحده القادر على تدمير شعبيتهم وإجهاض المشروع الإسلامي؛ حيث لن تستطيع الحكومة إرضاء الشعب ولا تحقيق مطالب الثورة؛ الأمر الذي يصب في مصلحة الليبراليين.

 

- بروفة ماسبيرو الأخيرة كانت تمثل انتصارًا للطرف الأول بتنفيذ تصوره، لكن الوعي الشعبي أفشلها بعدم حدوث فوضى عامة تدفع لإلغاء الانتخابات.

 

- الخطة البديلة هي أن الانتخابات على ثلاث مراحل، يتم استنتاج النتيجة النهائية في ضوء نتيجة المرحلة الأولى التي ستتم بنزاهة كاملة (لتجنُّب اعتراض دولي)، مع فوز كبير للإسلاميين؛ مما يدفع للتدخل (المرحلة الثانية والثالثة) بمباركة دولية للوصول لبرلمان دون تأثير إسلامي قوي؛ لأن مصر ليست تونس من حيث:

 

أولاً: المواجهة مع الصهاينة.

 

ثانيًا: الثقل الإستراتيجي والحضاري الذي لا بد أن يؤثر مستقبلاً في المنطقة والعالم.

 

القوى المتطرفة تحلم بنجاح بروفة ماسبيرو قبل الانتخابات باستغلال المظاهرات الحالية، وإذا فشلت ستعاود الكرة أثناء الانتخابات؛ لإقناع العسكر أو إجباره على إلغاء الانتخابات والبقاء بالسلطة لفترة تسمح لهم ولأمريكا بتشكيل المناخ السياسي؛ للحفاظ على السلام مع الصهاينة واستمرار التبعية السياسية والاقتصادية لأمريكا التي أيقنت ضعف شعبية الليبراليين بمصر والحاجة لوقت لتسويقه، وقد يكون ذلك باستيعاب الإسلاميين ضمن نظام تابع لأمريكا مهادن للكيان الصهيوني أو بإعادة تقليم أظافرهم، وكأن الشعب المصري خارج المعادلة.

 

المعارضون للثورة، استطاعوا تجييش الإعلام أثناء أحداث ماسبيرو ضد العسكر الذي تحول لموقف الدفاع، توالت أزمات قضاة/ محامون ثم أمناء الشرطة، ثم الوثيقة الدستورية، والمظاهرات الأخيرة.. أزمات يتم استثمارها لتأجيل أو إلغاء الانتخابات البرلمانية.

 

التغيير مثل التزوير.. التغيير في نتيجة الانتخابات بالتأثير السلبي أو الإهمال في الترتيبات اللازمة لتأمينها أو بالتأجيل أو الإلغاء، مثل التزوير في نتيجة الانتخابات بعد إجرائها، مثلما كان يفعل المخلوع.. النتيجة واحدة، وهي تزوير إرادة الشعب، ولا بد أن نتذكر جميعًا أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة كانت سببًا أساسيًّا لثورة 25 يناير!!.

 

لا بد أن يعي الجميع المعادلات الإستراتيجية.. أنه بعد الثورة لا أحد فوق الشعب، أولاً: الشعب موقفه الآن بعد الثورة- في مقابل كل من يعترض الإرادة الشعبية- أقوى بكثير من موقفه قبل الثورة، وثانيًّا: المجلس العسكري موقفه الآن في مقابل الشعب أضعف بكثير جدًا من موقف المخلوع (كان يقول "خليهم يتسلوا") في مقابل الشعب قبل الثورة، ولقد حدثت الثورة وانتصر الشعب على المخلوع ضاربًا عرض الحائط بكل التوقعات والحسابات المحلية والعالمية؛ فمن الذي سيتعلم الدرس؟ ومن الذي "سيتسلّى"؟؟!

 

لقد تأخر العسكر مرارًا وبدون مبرر، بخصوص قانون تصويت المصريين بالخارج حتى تدخَّل القضاء لصالح حقهم في التصويت، وتأخر في عزل الفلول سياسيًّا حتى تمَّ توريط القضاء مع أن الإشكالية تشريعية سياسية ثورية بالمقام الأول، فليس مهمة القضاء سن القوانين، وما زال متأخرًا في إلغاء الوثيقة الدستورية، لا يجوز من ناحية المبدأ إصدار أي مبادئ أو وثائق دستورية بدون شرعية شعبية؛ حيث بدأت المظاهرات.. مظاهرة كبيرة جدًا بالميدان يوم الجمعة للقوى السياسية المدعومة شعبيًّا ضد الوثيقة، وانتهت تمامًا هذه المظاهرة مساء الجمعة، تلتها مظاهرات شعبية بالميدان وبعض المحافظات، بدون توجيه من أي قوى سياسية، لم تعلن أي قوى سياسية مسئوليتها..

 

مظاهرات عفوية ضد الإجرام الأمني غير المبرر مع الشعب..مظاهرات تطالب بما هو ضروري وبديهي بتحديد موعد انتخابات الرئاسة وبحدّ أقصى لتسليم السلطة منتصف 2012م، هذه ليست دعوة للمظاهرات، بل تحذير لضرورة الاستجابة الفورية لمطالبها حتى نتجنَّب استمرارها، فهل سيستمر التأخير وإهمال التحذير؟! الوطنية أن نخاف على الانتخابات وليس من الانتخابات.

 

---------

 * رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com