بعد الأحداث الدامية التي شهدها ميدان التحرير ترقَّبت خطاب المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ عله يأتي بما يريح نفوس الشباب المحتشدين في ميدان التحرير، والذين شاهدوا رفاقهم وهم يتساقطون أمام عيونهم، لكن الخطاب لم يأت بكل ما انتظره الشباب.

 

فتساءلت: لماذا لم يعتذر المشير عن الجرائم التي ارتُكِبَت في حق الشباب خلال الأيام القليلة الماضية، سواءٌ في ميدان التحرير أو غيره من الميادين؟!

 

لماذا اكتفى المشير بالإعراب عن الأسف والحزن على من أسماهم بالضحايا الذين سقطوا؟!

 

لماذا لم يعلن الإدانة الصريحة للجريمة التي ارتكبتها قوات الشرطة في سلوك جديد يذكِّرنا بسلوك المخلوع مع شعبه، ومع شباب مصر وبناتها المطالبين بالحرية والعدالة؟!
لماذا لم يقدم اعتذارًا صريحًا أيضًا لأسر الشهداء والمصابين باعتباره المسئول الأول في مصر؟!

 

ما الجريمة التي ارتكبها هؤلاء الشباب حتى تواجههم الشرطة بالرصاص المطاطي والخرطوش والقنابل المسيلة للدموع والمثيرة للأعصاب؟!

 

لماذا استخدمت الشرطة هذا الكمَّ المفرط من العنف والقسوة واللا إنسانية؟!

 

ألم يشاهد المشير قوات الأمن ومصفَّحاتها وهي تقتحم ميدان التحرير لإخلائه من المتظاهرين السلميين؟!

 

ألم يشاهد سحل الشهداء والمصابين، وجرجرة إحدى الفتيات من شعرها؟!

 

ألم يشاهد الضرب المبرّح الذي تعرَّض له بعض الشباب على أيدي رجال الشرطة؟!

 

ألم يعلم بعشرات الشهداء ومئات الجرحى الذين نُقلوا إلى المستشفيات وآلاف المصابين بالاختناق، والذين تمَّ إسعافهم بالمستشفى الميداني أو داخل العيادات والمستشفيات القريبة؟!
قلت بالتأكيد المشير على علم بأضعاف ما نعلمه؛ لأنه يملك الأجهزة التي لا تترك شاردةً ولا واردةً إلا ورصدتها، بل وصوَّرتها.

 

إن حق الشعب على المشير أن يقدِّم له اعتذارًا صريحًا بوصفه من يدير شئون البلاد والمسئول قانونيًّا ودستوريًّا عن مرءوسيه.

 

حق الشعب على المشير والمجلس الأعلى للقوات المسلحة التحقيق الفوري، والعقاب الفوري أيضًا لكل مخطئ حتى تهدأ النفوس.

 

مطلوب وقف ممارسات القتل التي تقوم بها بعض قوات الأمن بدم بارد، بالمخالفة لكل الشرائع والأعراف والقيم.

 

هذه الممارسات لم تعد مقبولةً من جهاز يجب حلُّه وإعادة بنائه من جديد، على أسس تحفظ كرامة الإنسان وحريته وحقه في التعبير.

 

وأسأل المشير: لماذا تركت الدولة مئات المصابين في ثورة يناير بلا علاج أو رعاية حتى الآن؟ وهو الأمر الذي دفع العشرات منهم إلى الاعتصام بميدان التحرير.

 

صحيح أن هناك صندوقًا قدم الدعم لمئات الأسر التي قدمت شهداء للثورة، وآلاف المصابين، لكنَّ الصحيح أيضًا أن ثمة آلاف الجرحى لم يعالَجوا بعد، وكان الأجدر بالحكومة أن توليهم كل الرعاية والتكريم.

 

لقد اعتصم هؤلاء في ميدان التحرير ليصل صوتهم إليكم بعد أن جعلت الحكومة أذنًا من طين وأخرى من عجين، كما يقولون. وكان الرد عليهم بالضرب والقتل بدلاَ من الحوار!.

 

إن الشعب المصري الذي قام بثورته من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية لن يقبل بالإهانة أو الكبت، ولن يوافق على إهدار كرامته أو النيل من حريته.

 

إن العنف لا يولِّد إلا العنف، والشعب قد شبَّ عن الطوق، ولن يقبل بعد اليوم بظلم أو إهانة.
لقد  لاحظت كمَّ الغضب في عيون الشباب وعلى ألسنتهم.

 

لذا أرجو أن يعي المشير درس الأيام الأخيرة، ويقدم العلاج العاجل والعادل قبل فوات الأوان؛ لأن العاقل من اتعظ بغيره.