على مدار تاريخ الأمة كان للشباب حظٌ يسيرٌ من القيادة إذا ما قورن بحظ الرجال، إلا أنه ليس من المبالغ فيه القول بأن أصعب المهام وأكثرها خطرًا كان من نصيب الشباب.
فقد نام علي كرم الله وجهه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة هجرته؛ ليواري عنه أنظار المشركين غير آبه بحتف محتوم، إلا أن القدر سلم.
وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير للمدينة ليعلم أهلها مبادئ الإسلام، وقام رضي الله عنه بمهمته خير قيام، وانتشر الإسلام بيثرب على يديه ليطلع البدر عليها من ثنيات الوداع، فهو يُعد فاتح المدينة وأول فاتح بالإسلام، وإن لم يرفع سيفًا أو يملك جندًا.
والذي قتل أبا جهل -فرعون هذه الأمة- ببدر فتيان حديثا السن، عاهدا الله إن رأياه أن يقتلاه أو يموتا دونه، وتفرق المشركون من بعد سقوطه بددا، وأجهز على أبي جهل بعد ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ولقد كلف الخليفة الراشد أبو بكر الصديق زيد بن ثابت رضي الله عنهما بجمع آيات القرآن، وهي حقًّا مهمة كالجبل كما وصفها صاحبها الذي أدى ووفى، كما ينبغي أن يكون الأداء والوفاء.
هكذا الشباب في أمتنا: أصحاب المهام والتحديات، وجنود الميدان، وحملة الرايات، وصناع النصر، سواءً غشيتهم القيادة أو لم تغشهم.
إن مِصرنا الآن تشهد بين الحين والآخر مواجهات بين الشباب من جهة والرجال والشيوخ من جهة أخرى.. وهذه ظاهرة صحية فهي تدل على حيوية كلا الطرفين، فلو اتفق الشباب والشيوخ دائمًا لكان المرض في أيهما لازمًا. إلا أن هذه المواجهات يجب ضبطها في إطار صارم يجعلها اختلافًا مُوفضًا لتكامل بناء، لا تنافر مذهب للريح.
ولكي نحقق ذلك علينا أولاً أن نستشعر من نحن؟ وما يجب عليه أن نكون؟ نحن أحفاد عمرو وصلاح الدين وقطز وبيبرس، نحن أبناء الذين عبروا القناة صومى في رمضان، نحن نسب محمد وصهره، نحن حماة العروبة، إن قمنا قامت معنا، وإن قعدنا قعدت معنا، نحن خير أجناد الأرض في دمنا براعة من بنى الأهرامات وشيد الحضارات، نحن أصحاب الأزهر، نحن سهوم الكنانة ونبت البلد المنفرد ذكره في كتاب الله وكفى.
وعلينا أن نكون في الريادة: أقوياء غير ضعفاء، مجيرين لا مستجيرين، يدنا العليا فوق اليد السفلى، منتجين لسنا مستهلكين، معلمين الخير غير متلقين الشر، نزهو بسمتنا لا نصبو لما عند أعدائنا.
إننا إذا استشعرنا هذا فستصغر عند كل واحد منا نزعات نفسه، ويصبح جنديًّا في جيش يبني ويعمر على صعيد مصر، لا هم له إلا كيف يعمل ويسدد، ولا متعة له إلا فيما يتقن ويحسن، ويجب أن نكون موصولين دائمًا بتاريخنا المشرف، آخذين منه ومن خبرات البشر العبر، معالجين لحاضرنا الواقع، على حلف مع غدنا المأمول.
لقد حبانا الله بإمكانات كثيرة، ولئن فرطنا فلن يكون إلى الديان عذر ولن يكون بين المهالك درع. لدينا رجال وشيوخ حكماء، علماء ومفكرون، أصحاب خبرات في كافة ميادين الحياة، جمعوا بين العلم والعمل، جهودهم مشهودة، وسيرتهم عطرة، وبناؤهم باسق، أصقلتهم المحكات، وزادتهم المحن صلابة.
لدينا شباب واعد يثير البهجة ويملأ القلوب فرحًا، في أعينهم جمال الغد وفي سواعدهم قوة اليوم، على صفحات النيل بسمة وجوههم وعلى ضفافه صدى ضحكاتهم، يرتسم الجد والاجتهاد على وجوههم، في قسماتهم الطموح والإقبال، معتزين بأنفسهم في غير غرور، مبادرين للنجدة في نخوة وشهامة.
وبين هذا وذاك تتوزع المسئوليات، وهي بشكلها العام كما تستنتج من تاريخ أمتنا: قيادة للرجال والشيوخ ومهام للشباب. على أن تكون القيادة شبابية الروح وثابة طموحة حكيمة المنهج.. قيادة تحتوي وتلجم، قيادة العدل سمتها والحزم سلاحها، قيادة تقوى في رحمة وتلين في بأس، قيادة تخرج الإبداعات وتقدم الكفاءات، قيادة في مهنة الشعب وللشعب، قيادة تعلي الهمم وتبعث الأمل، قيادة لا تكون عظيمة في نفسها فحسب بل تجعل الجميع عظيمًا، قيادة تعلم العالم كيف تبنى الدولة كما تَعلم كيف تصنع الثورة، قيادة تعرف كيف تبني وتحمي، قيادة لمصر.. سلمت يا مصر.
والأمر لا يخلو من تولية الشباب أصحاب الملكات والعبقريات والمجتهدين لبعض القيادات، أليسوا إخوة أسامة ونور الدين ومحمد الفاتح؟ على أن استشارة صاحب الخبرة والفكر وراجح العقل واجبة، يستوي في ذلك الرجال والشباب. ألم ينزل المصطفى وهو المؤيد بوحي من السماء على رأي أحد جنوده في بدر؟ ألم يقدم الخليفة عمر عبد الله بن عباس في مجلسه وأصبح من مستشاريه على حداثة سنه، وأثبت للكبار مدى بعد نظر ابن عباس وصدق منطقه؟ وعلى الشباب أن يعلموا أنهم جنود الميدان وحملة الرايات وصناع النصر، وأن شرف الجندي في إنفاذ أمر قائده ما لم يأمره بمعصية، أليس في أحد عبرة وموعظة؟ وأن رفعة الإنسان تأتي حين يقل كلامه ويكثر عمله، وليس معناه أبدًا حجب الرأي ولا البخل بالمشورة، إلا أن القصد والاعتدال سبيل النبلاء، وطوبى لمن يُقدِمُه عمله لا قوله.
نريد أن نكون بهذا المعنى الذي يحقق لنا التقدم، نريد أن يعرف كل واحد منا دوره، وأن يؤدي واجباته قبل أن يأخذ حقوقه، وأن يَرشد حيث قال أو فعل. ولنعلم إما أن نتعاون معًا أو يكون مصيرنا محل سؤالٍ، في زمن كثرت فيه الصراعات وتداعت فيه الأعداء.
وفي النهاية بارك الله في مصر رجالاً ونساءً، شيوخا وشبابًا.