في الساعات القليلة الماضية شهدت الساحة السياسية في مصر تداعيات وزلازل نتج عنها ضباب وضجيج ودماء.
وإذا كانت جماهير الشعب من العامة والبسطاء قد فوجئت بهذه الأحداث فإن الأمر يختلف تمامًا عند أهل الدراية والخبرة بالتاريخ والاجتماع السياسي؛ فمع أولى خطوات التحول في مصر والمختصون يعلمون يقينًا أن هناك ردود أفعال متعددة المراحل سوف تتصاعد في أوقات محددة ولأهداف تتنوع بين الطائفي والفئوي والتجريبي و(التخريبي).
كما يعلم أهل الاختصاص أن هذه التوابع والهزَّات سوف تزداد حدَّتها وشدَّتها مع اقتراب يوم الرحيل الفعلي للنظام البائد بالانتخابات.
فقبل الانتخابات كان أذناب النظام مثل لابسي القمصان الحمر في السجون يعدون اللحظات والثواني في انتظار تنفيذ الحكم، تنتابهم حالة من التوجس والقلق، كلما سمعوا صوت أقدام تقترب أو صوت مفتاح يفتح الباب ليقطع الأمل في البقاء، إلا أن هذا القلق يأخذ صورة الهيستيريا الحادَّة والهلوسة غير المسئولة ولا المعقولة يوم يحين التنفيذ.
وهذا ما حدث تمامًا مع الفلول وأشباههم، وأشباه الفلول هم أفراد وجماعات لم يكونوا ضمن نظام مبارك، لكنهم كانوا متصلين به أو مستفيدين منه بصورة أو بأخرى، وإذا كانت قواعد الاجتماع تقرر أن صديق صديقك يعد من الأصدقاء وكذلك عدو خصمك، فإن مفهوم المخالفة يقرر بذات المنطق أن أصدقاء الديكتاتور هم أعداء للشعب وثورته.
وقد جمعت الصداقة بين نظام مبارك وكثير من الماسون والليبراليين؛ بل بعض ممثلي اليسار، علاوةً على كثير من سارقي المال العام وممثلي الطوائف والمصالح؛ مما جعل هؤلاء بعد الثورة في موقع بالغ الحرج؛ فمطلوب منهم أن يندمجوا ظاهريًّا في الجو الثوري؛ للنجاة من تهم الفساد وجرائمه، وفي الوقت ذاته يحنُّون للحب القديم وما جنوه من ثمار الخطيئة ومكاسبها.
كل هؤلاء كانوا يتوجسون من الانتخابات ويتمنون تأجيلها وتعطيلها؛ أملاً في الانقلاب على الثورة وتحجيم أثرها.
وإذا كان الزلزال الطبيعي هو أحد الظواهر التي لا يتدخل الإنسان في تحريكها ولا يستطيع تجنبها فإن الهزات التي تتعرَّض لها مصر الآن مصطنعة ومخطَّطة ومقصودة، وإن سلمنا بأنها متوقعة؛ وفقًا للأعراف السياسية للثورات.
ومن قبيل الاختصار نستطيع أن ننسب ما حدث لجمعة المطلب الوحيد بطريق غير مباشرة؛ فقد كان الرفض الشعبي الضخم لوثيقة (الوضع الخاص) للمؤسسة العسكرية هو إشارة البدء لهذه الهزات الانفعالية التي يعتقد البعض أنها تحميهم من طوفان الانتخابات؛ لذا فقد شرعوا بعد الجمعة في تنفيذ انقلابهم على الحرية، مستغلين الجو السياسي المشحون، ولعل الاحتكام إلى مفاهيم السياسة والمقاربة والمواءمة يحتِّم تعديلات واجبة وعاجلة في مواقف جميع الأطراف؛ فيتم تخفيف حدَّة الاستعلاء في الوثيقة بما يمهِّد لقبولها شعبيًّا ثم النظر في معالجة آثارها لاحقًا، فالزمن علاج لكثير من المعضلات.
وبذلك تعبر مصر أزمتها وتطفئ الحكمة نيران الفتنة، أما خلاف ذلك فلنرقص جميعًا على جثة الحلم الوليد.
هذا رأيي.. والله من وراء قصدي.