حقيقة الأمر وأصله ومقصده أن العمل السياسي في حياة المسلم جزء من دينه وشكل من أشكال العبادة، في ظل حياة وكون أحكم تنظيمه، ووزِّعت الغايات والأهداف والأدوار والمهام فيه بحكمة إلهية بالغة.
إن النظام العالمي الساري في الملكوت لا يتحمل تعدد الآلهة، ومن السخف أن نحسب للشمس إلهًا، وللأرض إلهًا، وأن للحيوان إلهًا، وللنبات إلهًا، أو أن لإفريقية إلهًا ولأوربا إلهًا.
إن النظام الكوني واحد، تضبطه إرادة واحدة، وتصوغه قدرة واحدة، والذي يشرف على إفرازات الهضم في أمعاء الأحياء هو الذي يشرف على مسارات الأفلاك في أقاصي الآفاق، وفالق الحب والنوى في الحقول والحدائق هو فالق الإصباح في عالمنا، وفالق الشروق والغروب في المجرات التي لا نراها!.
إننا بعد إعمال الفكر وإدمان النظر لا نملك إلا أن نقول "لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
وحتى يستقيم أمر الكون بمن فيه كانت هذه إرادة الله تعالى بسنة التسخير التي لا اختيار فيها للإنسان، وإلا ارتبك نظام الكون وانهار بناؤه بمن فيه.
أما في النظام العالمي السياسي، سواءٌ على الفردي والحزبي والمحلي والعالمي، فالأمر يختلف؛ حيث إن الإنسان فيه مخيَّر، وسنة الله هنا هي التدافع بين البشر كلٌّ بحسب فهمه واعتقاده وأهدافه وغاياته، وفي نهاية الأمر الجميع كلهم موقوفون ومحاسبون أمام الله تعالى.
ومن حقائق التاريخ أن البشرية ما استقرت ولا شعرت بالأمان والاستقرار والرفاهية إلا حينما حكمت وأديرت بقانون السماء، كما أدير الكون تمامًا بقانون وبفعل الله تعالى، ومسألة الحكم والإدارة بقانون الله تعالى جاء تطبيقها على الأرض نسبيًّا، وكلما اجتهد البشر وأحسنوا الفهم والتطبيق كلما ارتفع منسوب جودة الحياة والعكس الصحيح.
والإنسان والمجتمعات والأمم هنا مخيَّرة في اختيار ما تشاء من القيم والمفاهيم والأفكار الحاكمة والتي تُبنى عليها النظم السياسية المختلفة (علماني/ ليبرالي/ اشتراكي/ مدني مجرد/ مدني بمرجعية إسلامية/ مختلط من بعض أو كل.. إلخ).
في ظل هذا التخيير أهل الإيمان مكلفون بدعوة وتعريف الناس بمنهج الله تعالى بكل ما فيه، من قيم ومفاهيم وأفكار والاجتهاد (التحديث المستمر وفق مقتضيات الحياة) في ترجمة هذه القيم والمفاهيم الربانية إلى نظم سياسية واضحة ومحددة في رؤى وسياسات وإستراتيجيات ومشاريع عمل وإنجازات تجذب الناس وتقنعهم وتأخذ بأيديهم إلى الإيمان بها وبمرجعيتها وبخالقها عز وجل؛ حتى يقبل الناس على ربهم إقبالاً جميلاً بمحو إرادتهم مخيرين، كما قال ربهم تبارك وتعالى: (لا إكراه في الدين).
ونؤمن جميعًا بسنة وحكمة التدرج، خاصةً أن هناك فروقًا فرديةً بين البشر في تكوينهم الفطري وظروف نشأتهم وبنيتهم الذهنية والمعرفية التي تنظم وتتحكَّم في رؤيتهم وتصوّرهم وحكمهم على الأشياء.
معنى ذلك أن طبيعة الإنسان في الفهم والاقتناع والإيمان تختلف؛ فهناك السمعي، والآخر بصري، والثالث بحواسه ، والرابع يحتاج كل هذا.. وهكذا؛ مما يستوجب من أهل الإيمان الإبداع والابتكار المحقق للتنوع والإثارة والتشويق في أساليب الدعوة والإقناع.
ومن آثار رحمة الله أن جعل أمر إدارة الحياة الأساسية للإنسان وللكون من شأنه عز وجل، وجعل الإنسان فيها مسيرًا، ومنح الإنسان نصيبًا مخيرًا فيه لإدارة نفسه ومجتمعه ووطنه وعالمه، مانحًا الإنسان فرص العمل والإبداع والمنافسة على خدمة أخيه الإنسان، والحياة من حوله، ومنافسًا بذلك على أعلى درجات الجنة (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً).