قالوا في الأمثال والحكم: "اللي يعيش ياما يشوف، قالوا: اللي يمشي يشوف أكتر"، ويبدو أن الحياة في المدن المزدحمة التي تعجُّ بمختلف أنماط الحياة وأنماط الناس وتقلباتها، تجعلنا أمام نماذج مختلفة من سيكولوجية الأفراد في المجتمعات.

 

قد تتعجب حين تسمع أن امرأةً أقامت حفلاً كبيرًا في أحد الفنادق احتفاءً بطلاقها، فمهما كانت الأسباب والدوافع إلى الطلاق، وهو أبغض الحلال وما يترتب عليه من آثار سلبية أو إيجابية للبعض، إلا أن السلوك المترتب عليه بإقامة حفل يظل عملاً يسير عكس تفاعلات الحياة الطبيعية للمرأة السوية، هذه الحالة في علم النفس تفسر وتعرف بـ(سيكولوجية الإنكار)؛ ذلك أن هذه الحالة أو النوعية من الناس تقدم على هذا التصرف والسلوك الذي تنكر به حزنها وغضبها من فعل الطلاق وإمعانًا في الإنكار تذهب إلى السلوك المضاد تمامًا بإقامة الحفل بهذه المناسبة.

 

هذه الحالة راودتني كثيرًا وأنا أتابع نفرًا من المثقفين أو من يطلقون على أنفسهم وصف جموع المثقفين المصريين، حين يتحدثون عن الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية وتداول السلطة، وغيرها من المصطلحات التي تتوق إليها نفس كل حر ذاق طعم الظلم والفساد، ثم أجدهم في المشهد ذاته على جانب آخر يتحدثون عن الخوف من نتائج الديمقراطية أن تأتي بغيرهم، ويقيمون لذلك مهرجانات إعلامية تطبل وتهلل للديمقراطية إذا جاءت بهم ويلعنونها في الوقت ذاته إذا جاءت بغير حزبهم، وإمعانًا في الإنكار ولكي يصدقوا أنفسهم، يعقدون الندوات والصالونات وبرامج التوك شو للاحتفال بوثيقتهم التي يطعنون بها خاصرة الديمقراطية، ويقطعون بها آخر شرايين الحياة الديمقراطية، ليبنوا لأنفسهم مجدًا وملكًا على حساب الشعب وحريته، ومع كل هذا يتحدثون باسم الشعب؛ خوفًا عليه، وحرصًا على مصالحه.. كيف؟ لا أدري! حقًّا إنها سيكولوجية الإنكار التي يعيش فيها هؤلاء النفر ممن يتسمون بالمثقفين.

 

أيها الشعب الكريم.. اليوم يومك، اكتب تاريخ بلدك بيدك، لا تدع قلة يزوِّرون لك تاريخك ليبنوا لأنفسهم قصورًا من أرضك وثرواتك، ويبنوا لأنفسهم مجدًا من تاريخك وحضارتك، ثم بعد استتباب الأمر لهم يبيعونك في سوق النخاسة، لا تظل متفرجًا على تاريخك وهو يضيع، شاهدًا على مجدك يسلب أمام عينيك.

 

أيها الشعب الكريم.. افتح عينيك فلا نوم بعد اليوم؛ لأنك لا تستحق أن تظلم بعد اليوم، ولأنك لا بد أن تصنع مستقبلك بيديك ولا تدع المتربِّصين يسرقون ثورتك، بل عليك حمايتها ورعايتها بديمقراطية قوامها العدل والحرية والعدالة الاجتماعية، فإذا تركت الأمور تضيع من يديك فلا تشكو ولا تلوم إلا نفسك كما قال الشاعر:

 

يا شعب لا تشكو الشقاء ولا تطل فيه نواحك

 

لو لم تكن بيديك مجروحًا لضمدنا جراحك

 

أنت انتقيت ولاة أمرك وارتضيت بهم صلاحك

 

لكنهم ألقوا على خسيس دنياهم وشاحك

 

أيسيل صدرك من جراحتهم وتعطيهم سلاحك؟

 

لهفي عليك، أهكذا تطوي على الذل جناحك؟!