"حكومة تايهة يا ولاد الحلال".. أحد الشعارات التي رفعها المتظاهرون في مليونية الجمعة الماضية، التي خرجت دفاعًا عن الديمقراطية، وطلبًا لتحديد سقف زمني لتسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة.

 

لفت نظري هذا الشعار؛ لأنه يحمل العديد من الإشارات والدلالات، فالحكومة التي راهن عليها الشعب واعتبرها حكومة ثورته باتت تائهة أو غارقة!، دعاها الشعب لتحقيق مطالبه لكنها خذلته، وبدلاً من أن تستمد قوتها من الثورة إذا بها تلتف على الثورة، وتتعامل معها على أنها مجرد انتفاضة شعبية يمكن تسكينها بكسب مزيدٍ من الوقت، أو تحقيق بعض المطالب الفئوية.

 

حكومة تحني رأسها لمن يحاصر مقرها، أو يقطع الطريق، أو يشعل الحرائق هنا وهناك.. لم تضع سياسة مرحلية لإنصاف المظلومين بعدالة وحسب إمكاناتها المتاحة، لكنها أعطت البعض وحرمت البعض الآخر دون أية معايير، إلا معيار الإضراب أو تعطيل الأعمال، وكأن شعارها: "اضرب تحصل على حقك، واعمل في صمت لتهملك الحكومة"!.

 

وحتى لا يفهمني أحد بصورة خاطئة فأنا لست ضد حصول بعض الفئات على حقوقها؛ لأن ما حصلت عليه هذه الفئات ما هو إلا جزء يسير مما تستحقه، لكنني هنا أعترض على سياسة الحكومة التي تنحني أمام المضربين والمعتصمين، ولا تلتفت لغيرهم، مع أنها حكومة الجميع!.

 

حكومة الثورة لم تتخذ قرارًا  ثوريًّا واحدًا؛ لا في السياسة ولا في الاقتصاد أو الأمن أو غيره، مهمتها فقط هي إطفاء  الحرائق، وأحيانا إشعالها، وخير مثال على ذلك ما فعله الدكتور علي السلمي مؤخرًا، ومن قبله سلفه الدكتور يحيى الجمل!.

 

طالبها الثوار بعزل قيادات الحزب الوطني المنحل، ولم يقولوا عزل كل الأعضاء، ولم تفعل شيئًا، وكانت النتيجة أن المحكمة الإدارية العليا بعد أن حكمت بحل حزب واحد إذا به يفرّخ لنا ثمانية أحزاب!.

 

طالبها الثوار بوضع حد أدنى وحد أعلى للأجور، ولم تفعل شيئا، وتعللت بعدم قدرتها على توفير الموارد المالية التي تكفل تطبيق الحد الأدنى الذي قررته المحكمة الإدارية، لكنها في نفس الوقت عجزت- أو جبنت- عن تحديد الحد الأقصى للأجور ترشيدًا للإنفاق!.

 

انتظر الشعب خطوات جادة  لضبط الأمن وتحقيق الأمان وبسط سلطة الدولة، فإذا بالأوضاع الأمنية كما هي إن لم تزدد سوءًا في نظر البعض، فهناك رجال شرطة لا زالوا في حالة تشبه الإضراب عن العمل، وإن كان إضرابًا غير معلن، وهناك مخلصون لا يجدون المعاونة من الحكومة، أو جهاز الإعلام المشغول بقضايا أخرى!.

 

رئيس الحكومة في نظر الكثيرين رجل  طيب- أكثر من اللازم- في وقتٍ يحتاج إلى قدر كبير من الحزم!، فعلى الرغم من القبول الشعبي الذي حظي به الرجل، إلا أنه لم يعكس هذا الأمر في قراراته أو سياساته، وترك بعض وزرائه يتصرفون بطريقةٍ لا تؤدي إلا إلى إشعال الحرائق وإدخال البلاد في أزمات، الواحدة تلو الأخرى.

 

نائب رئيس الوزراء السابق الدكتور يحيى الجمل، شغل الرأي العام بتصريحاته ومؤتمراته التي سعت للالتفاف على الإرادة الشعبية، وتغليب طرف سياسي على طرف آخر، فكانت المظاهرات التي أسقطته لتأتي بعده بالدكتور السلمي.

 

والسلمي لم يتعظ بسلفه، وأعاد المحاولة مرةً أخرى، بطريقة تذكرنا بأسلوب النظام المخلوع في فرض السياسات والقوانين، وكأنَّ مصر لم تشهد ثورة!.

 

وظيفة السلمي أنه نائب لرئيس الوزراء للتنمية السياسية والتحول الديمقراطي، لكن ممارساته للأسف لا تؤدي إلا للوقيعة السياسية والانقلاب على  الديمقراطية!!.

 

فالرجل يصر على إهدار الإرادة الشعبية، وسلب وظيفة البرلمان المنتخب، ويحاول فرض وثيقةٍ لا تحظى بالإجماع الوطني، انطلاقًا من مصالح حزبية ضيقة، أو تنفيذًا لرغبات المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

 

مليونية الجمعة الماضية أثبتت أن الشعب سيحمي ثورته وأنه مستعد لاستكمالها حتى تحقق أهدافها التي قامت من أجلها، تلك الثورة التي تحاول بعض الأطراف أن تختطفها لصالحها تارة، أو تتعامل معها على أنها مجرد انتفاضة شعبية عابرة سرعان ما تهدأ!.

 

ما أحوج مصر إلى الاستقرار، وما أحوجها إلى جهود كل أبنائها بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية، فمصر وطن الجميع وسيشارك في بنائها الجميع.
ما أحوجنا إلى استعادة روح الثورة، وأخلاق الميدان التي وحدت الجميع، ونجحت في إسقاط النظام.

 

------
* للتواصل مع الكاتب: 
SALAH_AMC@HOTMAIL.COM