يتجه الناخبون المصريون في الأيام القادمة إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلسي الشعب والشورى، وتحديد من سينوب عنهم في البرلمان الجديد، بغرفتيه الأولى والثانية، والذين سيوكل إليهم اختيار اللجنة التأسيسية لإعداد دستور جديد للبلاد، ومن رحم مجلس الشعب القادم ستولد الحكومة الجديدة التي ستوكل إليها مهام جسام، وأدوار عظام؛ منها: إعادة الأمن المفقود، وضبط حركة الشارع المصري من الانفلات المستشري، والعمل على استرداد أموال مصر المنهوبة وفق دبلوماسية فائقة في السياسة الخارجية، ورسم صورة جديدة مشرقة لوجه مصر الحضاري في المشهد الدولي، والتأسيس لنهضة علمية اقتصادية تعليمية ثقافية اجتماعية أخلاقية رائدة، تكون نموذجًا يُحتذى في البناء الحضاري.
ويكاد يكون أعضاء المجالس النيابية اليوم هم ما اصطلح عليه فقهاء السياسة الشرعية قديمًا بأهل الحل والعقد، وهو مصطلح تاريخي لسنا ملزمين بإطلاقه على من يقومون بمهمتهم اليوم، والعبرة بالمسميات لا بالأسماء، وكما قرَّر الأصوليون والفقهاء أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
وقد حدَّد فقهاء السياسة الشرعية أوصافًا لأهل الحل والعقد أو أهل الشورى أو أهل الاختيار كما كانوا يطلقون عليهم.
فمن ذلك قول الإمام النووي إنهم العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وقول بعضهم هم المؤتمنون، أو أهل الرأي والتدبير، وقال الماوردي عن الشروط المعتبرة فيهم: العدالة والرأي والحكمة.
ويضع الدكتور عبد الكريم زيدان ملامح لهم، فيقول: هم المتَّبعون في الأمة، الحائزون على ثقتها ورضاها؛ لما عُرفوا به من التقوى والعدالة والإخلاص والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الأمور والحرص على مصالح الأمة، وإن كنت أرى أن الإخلاص لا محل لاشتراطه؛ لأنه لا يعلمه إلا الله، ولا يستطيع أحد قياسه.
ومما سبق يتضح أن الأمانة والعلم والقوة والحنكة والخبرة السياسية الكافية؛ شروط عامة يجب أن تتوافر فيمن يرشحون للمجالس النيابية اليوم، والتي يناط بأعضائها مهامُّ أهل الحل والعقد؛ لينوبوا عن الأمة في رقابة الحكومة وتقييم أدائها، ومحاسبتها على تقصيرها أو تجاوزها، ومراقبة رئيس الدولة واستقامة سيرته في الرعية، وقيامه بأعباء منصبه.
وعلى هذا فإن أعضاء المجالس النيابية يمثلون عين الأمة الراصدة لكل انحراف أو خلل من السلطات التنفيذية، ويدها ولسانها اللذين يقوِّمان هذا الخلل والانحراف.
ويبقى النضج السياسي لعموم أفراد الأمة، والوعي الاجتماعي العام بخطورة دور النائب في المجالس النيابية، هو الفيصل في تشكيل معالم هذه المجالس، وإيجاد نائب قوي أمين، حفيظ عليم.
وهذا هو السبيل الذي يضمن تنقية المجالس النيابية التي كانت قائمة بالأمس مما شان مظهرها، وأخلَّ بجوهر رسالتها من التافهين، والمتاجرين بأقوات الشعوب، والمغامرين بمصالح العباد، والعابثين بمقدَّرات الأمة، والباحثين عن الشهرة والوجاهة والمجد على حساب الناس، والطامعين في المناصب لاتخاذها غطاءً للممارسات غير القانونية والأعمال غير المشروعة.
وحين نمنع الرويبضة من التحدث باسم العامة ونحُوْل دون وصولهم إلى هذه المجالس، نكون بذلك قد تجاوزنا عقبةً كأداء في سبيل نهضة هذه المؤسسات النيابية البالغة الخطورة، لتؤدي رسالتها على النحو المرضي والمأمول؛ لأن الأمر يتصل بمصلحة الأمة حاضرها ومستقبلها.
وفي ضوء ما سبق فإن أعضاء المجالس النيابية ليسوا أصدقاء الحاكم الذين يسارعون في هواه، أو العفاة الذين يلتمسون العطاء، أو المتملقون الذين يرجون حوله الصدارة، كما كان يحلو للراحل الكريم الشيخ محمد الغزالي أن يصفهم.
------------
*مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة.