أسماء محمد أحمد زيادة

 

تساءل الدكتور حمزة زوبع، بعد حواره مع صديقه الخليجي، الذي يرى أنه وفي ظل الثورة فإن خيار الشارع يميل إلى الناحية العاطفية، وهو أمر مطلوب ولكنه ليس كافيًا؛ إذ يتعين أن يتحكم العقل قليلاً عند الاختيار، وتساءل: ومن هذا الذي يتحكم فيه عقله أو يتحكم هو في عقله والثورة لا تزال مشتعلة والنفوس بها ما بها؟.

 

وهنا قفزت إلى ذهن الأخ الفاضل الدكتور حمزة فكرة أراد أن يتبادلها معنا، وهي:

الإبقاء على مجلس الشورى كمجلس للحكماء، على أن يتم انتخاب 50% فقط بالانتخاب الحر المباشر والبقية يتم تعيينها من قبل الأحزاب والهيئات والمؤسسات غير الحزبية مثل مؤسسات المجتمع المدني.

 

إن هذه الطريقة- من وجهة نظر الدكتور- تضمن من ناحية أن يكون مجلس الشورى بالفعل ماكينة فكرية ومطبخًا سياسيًّا على أرقى مستوى، ومن ناحية أخرى نكون قد ألجمنا نار عواطف الشارع الملتهبة بنور الحكمة المتزنة، وقدمنا مجلسًا للحكماء بالفعل، وليس مجلسًا للوجهاء والتصفيق والموافقة.

 

لقد فاجأني الدكتور زوبع بهذا الطرح حتى شككت أنني أقرأ لأحد مدعى النخبوية الذين صاروا يرون أنفسهم محور الكون، يرون للشعب ما لا يرى، ويفكرون له حيث لا يحسن أن يفكر أو يختار، هذه واحدة، والثانية أن الفكرة كلها- فيما أرى- تأسست على مقدمة خاطئة، أو فاسدة، كما يقول الأصوليون، وهي النظر إلى الحالة الثورية كأنما هي الفوضى، والعاطفية غير المنضبطة، وهي نظرة مهينة للثورة في حقيقتها ودوافعها، وآلياتها.. من ذا الذي يماري في أن الثورة المباركة كانت الحكمة الوحيدة التي افتقدناها على مدى العقود السابقة؟ لقد كانت الثورة، ولا تزال، وستبقى رغم كل ما يحيط بها الآن هي عين الحكمة والرشاد والصلاح، والصلوحية.. هذه المقدمة التي جعلها الدكتور زوبع سببًا لأن يقترح مقترحه كي يلجم نار عواطف الشارع الملتهبة، غير صحيحة، كما بينت، فما انبنى عليها من مقترح يصبح هو الآخر غير صحيح.

 

هذا المقترح أيضًا ينضاف إلى المحاولات التي تقوم بها كل النخب التي ادعت زمنًا طويلاً أن الشعب هو مصدر السلطة وصاحب القرار، ثم انقلبت بعدُ على خيار هذا الشعب لما لم يلائم هواها، وما حالة الاستفتاء على الدستور منا ببعيدة، والذي يقترحه الدكتور زوبع الآن أخطر- من وجهة نظري-؛ إذ إنه يقنن لهذه الوصاية على الأمة من أول الطريق!.

 

ثم، أليست الأحزاب والهيئات والمؤسسات غير الحزبية التي يريد الدكتور حمزة أن يمنحها 50% من حق الأمة مجتمعة تخضع هي الأخرى، كجماهير الشعب وأفراده للحالة المزاجية الثورية؟

 

وليسمح لي أخي د. حمزة- واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية- أن أقول: إنني قد وجدته مضحكًا وعبثيًّا ومتناقضًا ألا تمارس الشورى كاملة وواضحة وجلية في اختيار "مجلس الشورى"!.

 

* ليس هناك داعٍ لأن نرهق عقولنا لنخترع نظمًا وآليات ما أنزل الله بها من سلطان، وعندنا نظام الشورى الإسلامي المتكامل والمريح الذي نعرفه على عين الله الذي خلق، وجميعنا يعلم أنه لن ينصلح حالنا إلا بالعودة الصحيحة لممارسة نظمنا الإسلامية على وجهها الصحيح الذي علمنا إياه كتاب ربنا وشرعة نبينا، وما مورس على الأرض.

 

ممارسة الشورى يا سادة، والانتخاب الحر المباشر "الشورى" بكل آلياتها الصحيحة في النظم الإسلامية، هي أكبر ضامن لكل خير.

 

وليس هناك داع للوصاية على العقل الجمعي للأمة التي من حقها وحدها أن تختار، وما يكون عليه رأي أغلبيتها يكون هو الإجماع الذي ضمن لنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يكون فيه ضلال أو ضلالة؛ إذ يقرر عليه الصلاة والسلام قانونًا ربانيًّا نافذًا: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، وفي رواية: "لن تجتمع أمتي على ضلالة"، وفي رواية أخرى زيادة: "ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذ في النار"، وفي أخرى: "سألت ربي ألا تجتمع أمتي على ضلالة وأعطانيها"، (مسند أحمد وجامع الترمذي، والكبير للطبراني، ومستدرك الحاكم).

 

إن آلية هذا الاجتماع هي الشورى بلا جدال، فهي تحقيق لسنة الله؛ بأنه بعد إجراء الشورى وإنفاذها، فإنه لن يكون في الأمر إلا الرشد والرشاد؛ "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، قانون رباني وسنة إلهية تُفَعِّلها الشورى، وتوجد حقيقتها على الأرض.

-------------------

أكاديمية وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية
asmaazeyada@yahoo.co