يتفهم الجميع أن يكون للجيش وضع دستوري محدد الملامح، وهذا أمر معمول به في كل دول العالم، سواء الديمقراطية أو حتى الديكتاتورية، ولكن الخلاف هو على حجم هذا الدور ومداه..
ففي الدول الديمقراطية تكون مهمة الجيش هي حماية الحدود والتدخل عند الضرورة لمساندة الشرطة المدنية وحماية المنشآت، خصوصًا في حالات الطوارئ وأوقات الحروب، كما تنص بعض الدساتير على دور الجيش في حماية النظام الديمقراطي أو النظام الدستوري، وهذا لا يعني حماية شكل نظام حكم بعينه، بل يعني حماية الإرادة الشعبية التي توافقت على شكل دستوري محدد في لحظة معينة، وإذا رأت هذه الإرادة الشعبية تغيير هذا الشكل فلها ذلك وفق الأسس المقرة.
أما الدول الديكتاتورية فهي تمنح الجيوش سلطات واسعة؛ لأن الجيوش هي التي تحكم بالفعل، وهي التي قادت انقلابات عسكرية أتت برجالها إلى السلطة، وهذا الوضع الأخير ظل ساريًا في مصر منذ حركة الجيش في يوليو 1952 وحتى الآن، لكن هذا الوضع لم يعد مقبولاً بعد ثورة 25 يناير، وبعد أن أفاق الشعب لحقوقه، ودفع ثمنًا باهظًا لنيل حريته.
وقد فجَّرت وثيقة المبادئ الدستورية التي طرحها الدكتور علي السلمي جدلاً واسعًا حول دور الجيش في مصر الجديدة بعد 25 يناير، ورغم أن بعض الأصوات دافعت عن الوثيقة فإن الغالبية العظمى رفضتها؛ لأنها تجعل الجيش دولةً داخل الدولة، بل دولة فوق الدولة!!.
والمثير أن الجيش المصري في بداية تكوينه في عهد محمد علي لم يحصل على الامتيازات التي وضعها السلمي في وثيقته للجيش الحالي؛ إذ إن ميزانية الجيش في عهد محمد علي منذ 1878 سنة كانت معروفة بكل تفاصيلها وفقًا لوثيقة نشرها نشطاء على "الفيس بوك"؛ حيث بلغت قيمة الأجور 15 مليون فرنك للجيش المكون من 150 ألف جندي بأجر متوسط 100 فرنك لكل جندي، بالإضافة إلى 5 ملايين فرنك مرتبات كبار الضباط ورؤساء المصالح، والذين يعادلون قادة ومديري الأسلحة حاليًّا، و812 ألف فرنك أجور الخيالة، الذي يوازي سلاح الفرسان حاليًّا، وكان له وضع خاص ومن أهم الأسلحة وقتها.
كما تضمنت الميزانية قيمة شراء الأسلحة وقتها تحت بند ثمن المهمات العسكرية، والتي خصّص لها 1.75 مليون فرنك، كما تضمنت 312 ألف فرنك ثمن مئونة الجمال والبغال، وهي تعادل مصاريف إدارة النقل والمركبات حاليًّا، و200 ألف فرنك ميزانية المدارس الحربية، والتي تعادل الكليات والمعاهد العسكرية حاليًّا و7.5 ملايين فرنك ميزانية لموظفي البحرية ورجالها، بالإضافة إلى 1.875 مليون فرنك قيمة إنشاء سفن حربية وقتها، وتوازي التصنيع العسكري.
قد يقول قائل: إن مصر في عهد محمد علي لم تكن تواجه "إسرائيل"، والحقيقة أن مصر كانت دولة عسكرية بامتياز في ذلك العهد، رغم عدم وجود "إسرائيل"، كما أن "إسرائيل" تعرف ما لا نعرفه نحن عن الجيش وتفاصيل ميزانيته وعدد قواته وتسليحه، ومع كل ذلك فليس مقبولاً أن تعلن تفاصيل ميزانية الجيش للعامة، لكن من الضروري أن يوكل أمر مناقشتها للجنة الدفاع في مجلس الشعب؛ باعتبارها ممثلةً للرقابة الشعبية الواعية، وهذا الأمر معمول به في الدول الديمقراطية أيضًا.
الخلاف على دور الجيش في النظام الجديد لم يقتصر على تفاصيل ميزانيته والرقابة عليها، ولكن الأخطر أيضًا هو غلّ يد البرلمان تمامًا في مناقشة أي أمر أو تشريع يخص القوات المسلحة، وهذا ما نعنيه بدولة فوق الدولة، وحتى لا نظلم الدكتور علي السلمي كثيرًا يجدر القول: إن هذا المطلب صدر بالأساس عن أحد قادة المجلس العسكري، وهو اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية، في مؤتمر الحوار القومي يوم 26 مايو الماضي؛ حيث طالب- في كلمته- بضرورة أن يكون للقوات المسلحة وضع خاص في الدستور الجديد، يحقق لها نوعًا من التأمين؛ حتى لا تكون تحت هوى رئيس الدولة.
ودعا شاهين إلى ضرورة أن يحدد الدستور العلاقة بين المؤسسة العسكرية والرئيس الجديد؛ الذي قد يكون مدنيًّا خالصًا أو مدنيًّا بخلفية عسكرية، مشيرًا إلى أن غالبية الدساتير في العالم تقول إن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما طالب بعدم طرح الأمور الخاصة بالقوات المسلحة في البرلمان؛ نظرًا لوجود أسرار تتعلق بالقوات المسلحة لا يمكن مناقشتها بشكل علني، كما يحدث في الدستور التركي الذي ينص على عدم طرح أي استجواب خاص بالقوات المسلحة داخل البرلمان.
وهذا الجزء الأخير بالذات هو مربط الفرس؛ حيث يراد لنا أن نستنسخ تجربة الجيش التركي في مصر، وهي تجربة مريرة، عانت منها الحياة السياسية التركية كثيرًا، وناضلت القوى السياسية التركية كثيرًا حتى قلَّصت ذلك النفوذ الواسع للجيش في السياسة الداخلية، ولا تزال تناضل لتقليص ما تبقى من هيمنة عسكرية، وليس مطلوبًا من الشعب المصري الذي ضحَّى بمئات الشهداء وآلاف المصابين أن يناضل ستين عامًا أخرى حتى يتخلَّص من الحكم العسكري تمامًا.
وبعيدًا عن العسكرية التركية وما جرَّته على البلاد والعباد، علينا أن نطالع أوضاع الجيش في الدول المتقدمة؛ ففي الولايات المتحدة هناك فقط فقرة واحدة، هي الفقرة الثانية من المادة الثانية من الدستور؛ التي تنص على أن يكون الرئيس قائدًا أعلى لجيش الولايات المتحدة وبحريتها ولميليشيات مختلف الولايات عندما تُدعى للخدمة الفعلية، أما ميزانية الدفاع في الولايات المتحدة فهي تناقَش دومًا في لجنة الدفاع والأمن القومي، ولا يستطيع الرئيس اتخاذ قرار بعمل عسكري يحتاج نفقات مالية إلا بعد الرجوع للكونجرس ونيل موافقته، وكثيرًا ما نسمع عن المناقشات الحامية في الكونجرس حول ميزانية الدفاع التي تمثل أعلى بنود الميزانية الاتحادية (1.6% من ميزانية 2009 التي بلغت نفقاتها الإجمالية 3.1 تريليونات دولار منها 537 مليار دولار للدفاع بنسبة زيادة بلغت 7% عن عام 2008)، إضافةً إلى مخصصات إضافية بلغت 70 مليار دولار لتمويل نفقات الحرب في أفغانستان والعراق، وهذه الميزانية العسكرية تتجاوز ميزانية 20 دولة إفريقية مجتمعه.
في الدستور الفرنسي تنص المادة 15 على أن رئيس الجمهورية هو الرئيس الأعلى للقوات المسلحة ويرأس لجان الدفاع العليا، لكن المادة 35 تنص على أن إعلان الحرب يكون بإذن من البرلمان، وتخطر الحكومة البرلمان بأي عمليات عسكرية خارجية خلال 3 أيام من بدء العمليات، مع توضيح أهداف العمليات، ويسمح هذا الإخطار بفتح نقاش عام حول العمليات دون الحاجة إلى تصويت، وعلى الحكومة أن تحصل على إذن البرلمان إذا تجاوزت مدة العمليات أربعة أشهر.
أما في إسبانيا فتنص المادة 8 من الدستور على أن مهمة القوات المسلحة المؤلفة من القوات البرية والبحرية والجوية هي ضمان سيادة واستقلال إسبانيا، والدفاع عن وحدتها الوطنية ونظامها الدستوري، في حين تنص المادة 62 فقرة د على أن الملك هو الرئيس الأعلى للقوات المسلحة.
وبينما ينظم الباب السابع من الدستور الإسباني الاقتصاد والمالية، بدءًا من المادة 128 وحتى المادة 136، فإنه لم ينص على وضع خاص لموازنة القوات المسلحة.
ربما كان الدستور الألماني الصادر في 1949 والمعدل في 2002 هو أكثر الدساتير الأوربية تفصيلاً في وضع القوات المسلحة؛ إذ تفصل المادة 12 أوضاع الخدمة العسكرية والمدنية، وهي ليست إلزامية، كما تحدد المادة 17 أ الضوابط على الحقوق الأساسية للمنتمين للقوات المسلحة، وتنظم المادة 26 الرقابة على التسليح الحربي، وتنص المادة 45 على تمتُّع لجنة الدفاع بحقوق لجنة التحقيق والتي يتوجَّب عليها- بناءً على تقديم طلب من ربع أعضائها- أن تحول شأنًا ما لتجعله موضوعًا لتحقيقاتها، وتنص الفقرة (ب) من المادة ذاتها على حق البرلمان في تنصيب مفوض للشئون العسكرية كجهاز مساعد للمجلس النيابي؛ في إطار ممارسته للرقابة النيابية، مع ترك الشرح والتفاصيل للقانون الاتحادي.
وتمنح المادة 65 حق إصدار أوامر للقوات المسلحة وسلطة قيادتها لوزير الدفاع الاتحادي، وتشرح المادة (87 أ) تشكيل القوات المسلحة ووظائفها، وينص البند 2 من المادة على أنه بالإضافة إلى مهمة الدفاع يمكن إسناد مهام أخرى للقوات المسلحة ضمن الحدود التي سمح بها الدستور بشكل واضح.
لكن ربما كان البند الرابع من تلك المادة هو الأهم بالنسبة لنا، والذي ينص على أنه من أجل درء خطر يهدد كيان الاتحاد أو إحدى ولاياته أو نظامه الديمقراطي الحر؛ تستطيع الحكومة- إذا توافرت شروط المادة 91 الفقرة 2 الخاصة بحالة الطوارئ، وإذا تبين أن قوات الشرطة وقوات حرس الحدود الاتحادية لا تكفي لذلك- أن تسند إلى القوات المسلحة مهمة مساندة الشرطة وحرس الحدود؛ لحماية المنشآت المدنية، ومواجهة الخارجين عن القانون والمتمردين المسلَّحين، لكنها منحت سلطة وقف تدخل القوات المسلحة لكلٍّ من المجلس الاتحادي أو مجلس النواب.
ورغم أن الدستور الألماني أفرد المواد من 109 إلى 115 للحديث عن الموازنة العامة للاتحاد والولايات؛ بما فيها التدابير المؤقتة، فإن هذه المواد لم تتضمن نصًّا عن استثناء للقوات المسلحة أو غيرها.
وأخيرًا.. قد تعجبون أن الدستور الألماني في فصله العاشر ينص على أن المجلس النيابي الاتحادي هو من يقرِّر إعلان الحرب للدفاع عن الوطن، وما يصحب ذلك من تدابير، وذلك بموافقة ثلثي الأعضاء، مع منح اللجنة المشتركة حق اتخاذ القرار في حال عدم انعقاد المجلس النيابي أو عدم اكتمال نصابه.
قد يقول قائل: إن هذه الدول الديمقراطية ناضلت طويلاً حتى وصلت إلى هذه الحالة، ونقول له: إن الشعب المصر ناضل كثيرًا أيضًا، ومن حقه أن يعيش في ظل حكم مدني كامل بعد 60 عامًا من الحكم العسكري؛ تسبَّبت في تعطيل مسيرة التنمية والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
نأمل أن يفي المجلس العسكري بالتزاماته بنقل السلطة إلى حكم مدني، ونذكِّر قادته العظام بأن مكانة الجيش في قلوب المصريين، لا تنظمها نصوص دستورية أو قانونية، بل هو حب فطري تضاعف بعد انحياز الجيش إلى ثورة الشعب يوم 11 فبراير.