محمد محمود باشا كان رئيسًا لوزراء مصر ما بين عامي 1939م، و1941م وهو صعيدي من أبوتيج بأسيوط كان جريئًا وحازمًا، وتشهد الفترة التي تولى فيها وزارة الداخلية بذلك، وللعلم.. هو أول من اقترح على سعد زغلول مسألة تشكيل وفد عام 1918م ليفاوض الإنجليز باسم مصر وكان أحد ثلاثة تم نفيهم مع سعد زغلول قبل ثورة 1919م..

 

والحقيقة أنني معجب جدًّا بموقف رجولة وشهامة للرجل وقد  حكاه أحد السياسيين (والمعذرة لا يحضرني اسمه الآن) يقول كنت أسير في ميدان الإسماعيلية (التحرير الآن) فاصطدمت بمحمد محمود باشا وبعد السلام والتحية بادرني قائلاً: هل يليق أن يكون جزاء سعد زغلول زعيم الأمة أن يدفن في هذه المدافن المتهالكة لقد كان حريًّا بمثله أن يكون له قبرًا مشهودًا (طبعًا بعيدًا عن الحكم الشرعي في مسألة القبور وبنائها) ويقول الراوي.. لقد تعجبت من وفاء محمد محمود لذكرى سعد، وقد كان بينهما خصام وخلاف شديد في أيام سعد الأخيرة..

 

ولكن الرجل كان موضوعيًّا وعادلاً في خصومته، وكان هذا الحوار بالطريق العام هو بداية مشروع إنشاء ضريح سعد زغلول بمكانه الحالي في القاهرة وقد تم نقل رفات الرجل في احتفالية مهيبة عام 1931م بعد وفاته بأربع سنوات. هذا الرجل المحترم محمد محمود باشا اضطر للتعامل في ظروف معينة مع بعض الأوباش وساقطي المروءة لضرورات سياسية كان يراها، ولما عاتبه بعض أصدقائه في ذلك قال قولته المشهورة (إن من الرجال من يشبه القبقاب تضطر أن تلبسه لتدخل به دورة المياه).

 

واحد اسمه مجدي الكردي يزعم أنه ناشط سياسي بلغ الستين من عمره وما زال يتنقل على مقاهي البساتين ويتسكع في مناور الأحزاب الخلفية بحثًا عن سبوبة يعوض بها جهد السنين المهدرة ولكن ما زال يطارده سوء الحظ (نحس دكر كما يقولون) يشارك في حزب العمل ويعمل هتيف ومصفق درجة ثالثة فتحدث مشاكل بالحزب بعد أن تعاون إبراهيم شكري مع الإخوان المسلمين فسلط صفوت الشريف أحد أتباعه (أحمد مجاهد) ليقود انقلابًا داخليًّا بالحزب مدعيًا أنه الرئيس الشرعي للحزب  فيصدر صفوت الشريف قراره المعهود (تجميد الحزب حتى نعرف له صاحبًا) فيجد الكردي نفسه على قارعة الطريق وتكون هذه نهاية حزب العمل (على نسق نهاية الفرقة المسرحية على يد عبد الله فرغلي الله يرحمه)، فيتوجه الرجل لحزب التجمع راعي الفقراء والمعدمين ويحمل الشعارات الماركسية، ويحدث الناس في الحارة عن العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وحقوق الكادحين، ولكنه يفاجأ بالحزب المعارض وكيف يجري الصفقات السمينة والثمينة مع النظام البائد ولا يلقي لأمثاله إلا الفتات ويحكي كيف زورت حكومة الحزب الواطي المنحل انتخابات مجلس الشورى لعضوين بالتجمع المعارض أمام عينيه ويشاهد بنفسه من قبض ومن صرف..

 

 فكفر الرجل بالحزب الذي لم ينل منه شروي نقير، وقرر أن ينضم لجماعة كفاية فقد سمع أن لهم دعمًا خارجيًّا  وانطلق يهتف حتى بح صوته لا للتوريث.. لا للتمديد.. وناضل قوات الأمن في الشارع واعتصم على سلم نقابة الصحفيين وقال الآن عرفت الطريق.. المستقبل لكفاية والسبوبة آتية لا محالة.

 

وهنا جاءه من يهمس في أذنه: إنك تراهن على الحصان الخاسر دائمًا، كفاية والمعارضة لا مستقبل لهم بمصر وطبعًا الإخوان لن يقبلوك ولن تستطيع معهم صبرًا فهم من معتقل لمصادرة، العبها هذه المرة صح وراهن على الجواد الرابح جواد السلطة والنظام، ولكن الرجل وجد أن من يمتطي صهوة الجواد من الكثرة بحيث لم تدع لمثله قيد أنملة وزحام الأفاقين لم يدع له موطن قدم فقرر أن يستخدم ذكاءه الفطري في دروب السياسة ومناورها الخلفية وأن يسبق الراكبين والراجلين  فقرر عمل ائتلاف تعبوي شعبوي جماهيري خصوصي  لدعم جمال مبارك للترشح لرئاسة الجمهورية فهو الأقدر والأجدر ثم إن والده لن يؤذي من يدعم الولد، وأمن الدولة ستكف يدها عنه، وعن رفاقه ولا شك أنه سوف يجد في هذه الميغة من يملأ جيوبه مالاً ودعمًا ومن يملأ فمه سمنًا وعسلاً.. وعلى أقل تقدير فقد ضمن حق الدخان، وفعلاً ما بين طرفة عين وانتباهتها وجد الرجل نفسه في دائرة الضوء وبعد أن كان مجرد كومبارس في عالم السياسة انهالت عليه عروض البطولة.

 

 صحيفة لوس أنجلس تجري معه حوارًا والمذيعة منى الشاذلي تستضيفه في برنامجها "العاشرة مساء" حيث يقسم لها أنه يصرف على الحملة من جيبه الخاص لدرجة أنه اضطر لبيع عفش البيت حبًّا وكرامة في عيون جمال مبارك وعشقًا وولهًا في عبقريته وزعامته.

 

 ومن سوء حظ عمنا الكردي أن البرنامج كان يستضيف الصحفي وائل قنديل وطبيب الأسنان الناشط السياسي مصطفى النجار (والذي بزغ نجمه بعد ثورة 25 يناير). فكان الحوار بين الطرفين غير متكافئ بالمرة مما جعل جمال مبارك نفسه يسب ويلعن اليوم الذي جعل مثل هذا الكردي هو من يرأس ائتلافًا لدعمه.

 

 فطلب من معاونيه أن (يشوفوه بحاجة ويطلبوا منه الكف عن اللغو الذي يسيء له أكثر مما يفيد)، وما بين لحظة وأخرى انقلب الحال بمصر المحروسة وزج بالوريث المدلل غياهب السجون بعد أن كان ملء السمع والبصر (فعلاً نحس دكر)، وأصبح الكردي يقلب كفيه على ما أنفق لحملة الوريث، ولم يجن من ورائها إلا قبض الريح.

 

ولكن لأن مصر ولادة فها هو محمود عطية عضو الحزب الواطي المنحل سابقًا يقود هذه الأيام حملة مشابهة لحملة الكردي اسمها حملة دعم المشير رئيسًا لمصر.. ولست أدري كيف يمارس هؤلاء القوم السياسة، وكيف يحكمون على الواقع من حولهم.. الشعب كله في جهة وهم يستفزونه في جهة مخالفة. يعني كل ما فعلناه طوال هذه الأشهر من ثورة وشهداء ودماء وبرامج توك شو كان هدفه استبدال محمد حسني مبارك القائد الأعلى للقوات المسلحة بالمشير محمد حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة؟؟.

 

 والله الواحد خائف يقوم من النوم فيجد حملة تقول نعم لفريد الديب، أو صفوت الشريف رئيسًا لمصر وساعتها لن نعدم مؤيدين ومناصرين ومناقشين في برامج التوك شو وحوارات الفضائيات وصفحات النت.. وأهي لقمة عيش والسلام.. حفظ الله مصر ووقاها شر المستخبي.