وسائل الإعلام اليوم تنقل إلينا المعلومات والآراء والأفكار والاتجاهات، ومن خلالها يتم نقل العادات والتقاليد، ويتم تعزيز القيم السائدة في المجتمع، وقد تقوم بهدم القيم وخلق قيم جديدة، وهي قوة تؤثر في سلوك البشر، وتلعب دورًا في الحياة السياسية والاجتماعية، وتستطيع الإطاحة برؤساء دول، وتغيِّر سياسات حكومات.

 

لذلك كله ونحن إزاء مشهد سياسي يمثل عنق الزجاجة لعملية المخاض للديمقراطية التي حان وقت ولادتها، وقد تجمع الركب حولها بين من يريد انتظار لحظة الولادة الطبيعية وبين من يريد استعجال الولادة قيصريًّا، وبين من يخشى هذا الوليد الذي سيضيع حقه في الميراث فأراد قتل الجنين في الرحم حتى لو أدى إلى وفاة الأم، وبين من ينتظر لحظة الولادة متربصًا خطف الجنين ونسبته إليه، ومع اقتراب اللحظة تكتم الأنفاس، وتحكم التدابير، وكلٌّ يريد إنفاذ ما أراد، وسلاحهم في ذلك كله هو(الإعلام)، وهم في ذلك فريقان:

 

الفريق الأول:

هم أصحاب الحظوة من مقدمي برامج "التوك شو" وكتَّاب الصحف والأعمدة، وهؤلاء متمرسون في لغة الإعلام، وطرق العرض ورصِّ الكلام، وعلى الرغم من أنهم ليس لهم أتباع على الأرض ولا مؤيدون لكنهم لم يشغلوا أنفسهم بذلك كثيرًا، بل أتقنوا وتفننوا في كيفية التأثير عن طريق الإعلام الجماهيري، ونجحوا في ذلك كثيرًا، وسبَّبوا حرجًا للفريق الآخر، وأوجدوا توازنًا في الرأي العام طوال فترة الحراك والمخاض السياسي للديمقراطية خلال الفترة الماضية، وبغضِّ النظر عن النتيجة النهائية ستكون لمن، إلا أن المقاييس الموضوعية تقول بما نقول.

 

الفريق الثاني:

وهو الإعلام الفردي، وأعني به الاتصال الفردي بالجماهير؛ للتعبير عن الفكرة أو لغرس قيمة أو فضح سلوك مجتمعي معيب أو لبيان الصحيح من السقيم.

 

هذا اللون من الإعلام هو من يصنع أرقامًا على أرض الواقع، ويجعل لك مؤيدين وأتباعًا، ويستطيع حسم الأمور سياسيًّا أو فكريًّا لصالحك، بل يستطيع عزل الفريق الآخر في غرفه المكيّفة، ويبعده عن الواقع إن أراد، ولكن هذا كله مشروط بالبذل والعمل والعطاء المتواصل؛ لأن الإعلام الفردي له تكلفة في الحركة والمجهود والوقت قد لا يستطيع كثيرون تحمُّل تبعاتها أو الاستمرار فيها.

 

لقد ظلت العلمانية والليبرالية أكثر من 60 عامًا تعمل بكل طاقتها للترويج لفكرتها ومنهاجها، ولتشويه صورة المنهج الإسلامي؛ بل تخويف الناس منه، وكان التيار الإسلامي بكل طوائفه يعمل على الأرض (إعلام فردي) مع التضييق الشديد، وحين جاءت الثورة كانت الغلبة عددًا وفكرًا وحركة مع الإسلاميين ومنهجهم، بل رفضت الطرح العلماني والليبرالي بقوة، والدلائل على ذلك كثيرة؛ منها- على سبيل المثال لا الحصر-: الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وصراع المبادئ الدستورية والفوق دستورية والحاكمة وغيرها، ونتائج انتخابات النقابات، ومنها نقابات أصحاب الرأي والفكر والعلم: المعلمين والصيادلة والأطباء والعلميين.. وغير ذلك.

 

بل إن النموذج التونسي لهو أبلغ في النفس وأوقع، وتونس كان لها وضعها الخاص في محاربة الدين والتدين لم يسبق إليه أحد من حكام العرب، وكانت النخبة التي تشغل وتملأ وسائل الإعلام هي النخبة الليبرالية والعلمانية واليسارية، ولم يكن من بينها أيٌّ من الوجوه الإسلامية التي كانت مطاردة في بلاد العالم، وحين أجريت الانتخابات كانت النتيجة التي أذهلت المحللين والمراقبين، وهي اختيار الشعب للتوجه الإسلامي بأغلبية ساحقة، وهو ما أشعل سعار الحرب لتعطيل وإجهاض الجنين الديمقراطي، ومنعه من الخروج للنور والحياة؛ حتى لو أدى الأمر إلى قتل الأم وهدم المعبد على من فيه!.

 

السؤال: هل هذه هي النتيجة الحتمية؟ تفوق واكتساح للإعلام الفردي؟

هذه ليست نتيجة حتمية، بل الأمر في كل الأمثلة التي ذكرت فيه توفيق وعناية ربانية بالشعوب رجَّحت النتيجة، مع تأكيدي أن الإعلام الفردي هو المؤثر على الأرض.

 

وسائل الإعلام الفردي لكسب الأنصار والأتباع على أرض الواقع:

1- إذا كان لديك أكثر من 10 آلاف إمام وخطيب بطول البلاد وعرضها؛ فهذا يعني أنك تخاطب مليون شخص أو فرد في الأسبوع؛ بما يوازي 4 ملايين فرد في الشهر (على اعتبار أن كل خطيب يحضر له 100 شخص في الجمعة)، أنت تملك آذان 4 ملايين شخص شهريًّا، لا يملكها أصحاب أشهر البرامج الحوارية؛ لكن نقطة الضعف هي (إذا تعارضت القوى كانت المحصلة صفر) عدم توحد الموضوع والفكرة.

2- عدد المعلمين الذين يخاطبون التلاميذ، وهم أيضًا عشرات الآلاف.

3- عدد أساتذة الجامعات.

4- يوجد لديك أتباع في كل شارع وكل حارة، يحملون الفكرة، ويمشون بها بين الناس مغلفة صامتة، تحتاج من يستنطقها أو يعبر عنها، ويتحدث باسمها للناس، وغير هذا كثير.

 

لكن ما الذي ينقصنا؟!

الذي ينقصنا شيئان فقط: رؤية.. ورسالة

 

يحتاج الأفراد والأتباع إلى رؤية واضحة للواقع وملابساته ودقته وحساسيته.. رؤية لخريطة الطريق.. رؤية للواقع السياسي وخريطة الخصوم؛ "فإنك إذا كنت لا تعرف معايير منافسيك فهذه مشكلة، وإذا كنت لا تعرف احتياج أتباعك وعملائك فهذه هي الطامة الكبرى، أما إذا كنت لا تعرف من أين تبدأ، فابدأ فورًا وانخرط في الواقع وسوف تتقن وتتعلم" (جيفري غيتومر).

 

الأمر الثاني الذي يحتاج إليه الأفراد ليتحركوا على الأرض ويحسموا الأمر هو: الرسالة، وأعني بها الرسالة التي يتحرك بها وهي في مخيلته وتملأ عليه وجدانه، وهي أيضًا تجيب عن كل تساؤلات الجمهور، معبرًا عنه بكلمات قلائل أو بشعار أو "لوجو" أو "كاريكاتير"، وهذا هو دور الإدارة تجاه الأفراد.. التوعية والتحفيز والتوضيح والغرس للرسالة في النفوس، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.

------------

* medianet9@gmail.com