كعادته في الكلام، يتحدث الأستاذ هيكل بلغة الواثق من معلوماته، ويسوق الشواهد التي لا يعرفها إلا هو فقد التقى بالرئيس الفولاني، وتعشى مع الملك العلاني، وتمشى مع هذا الأمير، وزار هذا الوزير وجاء إلى بيته ذاك المسئول.
بعض الرؤساء يستشيرونه، وآخرون يرسلون له الرسل. وقد يلتقي بعضهم على هامش قمة أو مؤتمر أو يركب مع أحدهم طائرته الخاصة، وربما التقى أحدًا منهم في منتجع بباريس، أو مطعم في لندن، أو فندق في موسكو، المهم أن اللقاء حدث، والمشورة تمت، وهيكل قال ونصح، وحذر، وأنذر.
أستاذي هيكل يتحدث دائمًا بالأسماء والأرقام والتواريخ، لكن للأسف الأغلبية العظمى من هذه الأسماء رحلت إلى الدار الآخرة، ولا يمكنها الرد، والأقلية الباقية إما أنها ليست عربية فلا تتابع ما يقال عنها، أو أنها عربية لكن ظروفها الصحية لا تمكنها من التصحيح أو التعقيب!!
وإحصاءات الأستاذ هيكل وأرقامه قد لا يكون عليها دليل! وأقربها ما قاله منذ أشهر قليلة عن ثروة الرئيس المخلوع مستندًا إلى ما قال إنه وثائق، فلما استدعاه جهاز الكسب غير المشروع للاستماع إلى ما لديه من معلومات لم يستطع الأستاذ الكبير تقديم أية وثائق وقال للصحف إن البحث عن ثروة المخلوع هو مهمة جهات التحقيق!
في الحلقة الأخيرة من حواره الطويل مع الزميل محمد كريشان بقناة (الجزيرة)، تحدث الأستاذ عن الأوضاع الداخلية لمصر, ومستقبل البلاد بعد الثورة، والانتخابات القادمة والإخوان والحكم، وموقفه من العسكر.
لكن ما يعنيني من هذا الحوار هو حديثه عن الإخوان، هيكل بدأ حديثه عن الانتخابات وقال: أعتقد أنها لن تقود إلى النتيجة المطلوبة، وعندما تستمع إلى ما قاله هيكل بعد هذه الجملة تدرك أنه لا فض فوه يقصد أن مجيء الإخوان- أو الإسلاميين عمومًا- ليس مطلوبًا في هذا الوقت، حتى لو جاءوا بالإرادة الشعبية للمصريين. لماذا؟ لأنهم في رأيه: (أن مشكلتهم أنهم تنظيم نشأ في العمل السري، ثم تعرض للضرب بقسوة، وانتقل التأثير إلى فروع الخارج، ووجدت حركة الإخوان في مصر- والكلام لهيكل- نفسها الطرف الأضعف في التنظيم العالمي للإخوان كله، وهي لم تتح لها الفرصة لممارسة الحرية التي هي أساس الديمقراطية...) ولا أدري ما هي المقدمات التي أوصلت الأستاذ هيكل إلى هذه الأحكام؟!
ويقول في موضع آخر: (أخشى أن الإخوان في مصر ليسوا مستعدين لمسئولية الحكم في هذه اللحظة التي هي لحظة مؤسسة وخطيرة جدًّا، كما أنها لحظة تحتاج إلى وحدة الأمة كلها).
نسي الأستاذ هيكل أو تناسى كل الجهود التي بذلها ويبذلها الإخوان من أجل توحيد الصف الوطني لبناء مصر الجديدة. وتأكيدهم الدائم على رغبتهم في عدم الانفراد أو الاستئثار!
هيكل أجاب أيضًا عن سؤال للزميل كريشان حول ما إذا كان الإخوان لا يدركون حقائق الأمور فقال لو قلت لي اختار رئيس وزراء أنا مستعد أقبل واحد مثل عبد المنعم أبو الفتوح، لأن لديه خبرة في الخدمات والحركة السريعة لتلبية مطالب الجماهير، لكن الإخوان لا يعرفون شيئًا عن الموقف الدولي ولا السياسة الدولية!!
هيكل برؤيته الثاقبة يرسم ملامح المستقبل، ويعطي تصاريح الصلاحية السياسية من عدمها. وكأني به لو سئل عن أردوجان قبل أن يتصدر المشهد التركي لقال عنه: هذا مجرد رئيس لبلدية إسطنبول، لكنه ليس رجل دولة، ولا يصلح لقيادة تركيا. لكنني تمنيت لو كان الزميل كريشان سأله عن تقييمه للموقف الذي اتخذه أردوجان من الرئيس الإسرائيلي بيريز في قمة دافوس, وبحضور عمرو موسى- رجل الدولة وصديق الأستاذ هيكل- أي الموقفين يفضل (موقف موسى أم أردوجان؟) ومن الأفضل كرجل دولة رئيس البلدية السابق، أم أمين عام الجامعة العربية السيد عمرو موسى مع تقديري لشخصه؟
مشكلة الأستاذ هيكل أنه لا يعرف الإخوان، وربما ما يعرفه عن خرشوف- الرئيس السوفييتي الأسبق- أو نيكسون- الرئيس الأمريكي الأسبق- أكثر بكثير عما يعرفه عن المصري الشيخ حسن البنا رحمه الله، وقد تكون معلوماته عن الكتاب الأخضر للعقيد القذافي أكثر بكثير من معرفته بأدبيات الإخوان المسلمين، وأنا لا أقول هذا لأنتقص من قدر الكاتب الكبير, فهذا لا يعيب الرجل، فالتخصص مطلوب، ولكن للتوضيح فقط.
أستاذي الكبير أرجوك اقترب من الصورة، وادرس قبل أن تتكلم، وإلا فالصمت أولى لأن الزمن يتغير. وجيلكم يا سيدي غير الجيل الذي تتحدث عنه، ومصر الثورة قد جرى في نهرها ماء كثير!!
وختامًا لك كل التقدير.