جلست مع صديق لي نتناقش في أحقية رموز النظام السابق في الترشح في أية انتخابات قادمة في البلاد، فاختلفنا، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية..

 

قال صديقي: أنا أرى أن يُمنعوا من الترشح في الانتخابات وبأية وسيلة؛ فهؤلاء هم الذين أفسدوا الحياة السياسية في مصر أو على الأقل شاركوا في إفسادها، فلا يجب بأي حال من الأحوال أن نوفر لهم فرصًا جديدةً للوصول إلى دوائر الحكم أو دوائر صنع القرار في البلاد.

 

فقلت لصديقي: إنني أظن أن الانتخابات القادمة ستكون نزيهةً بنسبة كبيرة والشعب هو الذي سيختار من يمثله، وإذا شاءت إرادة الشعب أن تختار أحد هؤلاء فهذا اختيارهم، ولا ينبغي أن نحجر على اختيار الناس مهما كان، فهم أصحاب القرار.

 

قال لي صديقي: الانتخابات تحكمها عوامل كثيرة، وليس بالضرورة أن يتم اختيار الأصلح.

 

قلت: أراك يا صديقي تشكك في قدرة الشعب على اختيار من يمثله، وأنا أرى أن إتاحة الفرصة لكل أحد أن يدخل الانتخابات حتى لو وصل الأمر إلى أن يرشح إبليس نفسه في انتخابات مجلسي الشعب والشورى أو انتخابات الرئاسة.

 

قال صديقي وهو يكاد يقفز من فوق كرسيه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..

 

قلت: هدئ من روعك فنحن نتناقش ولا بد أن نحافظ على هدوئنا حتى نصل إلى رؤية صحيحة.

 

قال: أنت تقول إبليس يترشح للانتخابات، لم يبق إلا إبليس حتى يترشح للانتخابات!.

 

قلت: تخيل.. تخيل.. لو إبليس رشح نفسه في أي انتخابات هل سيحصل على أصوات؟

 

قال: لا يمكن أن يحصل على أي صوت.. مَنْ هذا المجنون الذي سينتخب إبليس؟!

 

قلت: الذين انتخبوا من قبل مئات الأبالسة من الإنس هم الذين سينتخبون إبليس الجن.

 

قال: وهل ترشح من قبل أبالسة في الانتخابات؟

 

ضحكت وقلت: يبدو يا صديقي أنك تنسى سريعًا، مجالسنا السابقة من شعب وشورى ومحليات كانت مليئة بأبالسة الإنس.

 

قال صديقي: ولكن الانتخابات كانت تزوَّر؟قلت له: وبعضهم بلا شك كان ينجح دون تزوير؛ لأن طرق الأبالسة التي كانوا يتبعونها في الانتخابات كانت تحقق لهم النجاح.. وهؤلاء هم الذين أتحدث عنهم.

 

قال صديقي: تقصد أن بعض الناس ينخدع بالأبالسة.

 

قلت: بل معظم الناس يخدعهم الأبالسة.. إلا من رحم ربي.. ألم تقرأ قصة الأعمى الذي كان يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة في جماعة ويتعثر في طريقه ويقع على الأرض ومع ذلك كان مصرًّا على أداء الصلاة جماعةً في المسجد، وذات يوم قابله رجل عند بيته وأخذه من يده وأوصله إلى المسجد ثم عاد به إلى بيته.. وهكذا كان يفعل في كل صلاة، ومر على ذلك أيام والرجل الأعمى يستحيي أن يسأل هذا الرجل الصالح عن اسمه وسبب فعله الطيب.. واستمر الحال على ذلك ثلاث سنوات حتى قال الأعمى لهذا الرجل: لقد أخجلني معروفك معي يا أخي فبالله عليك من أنت؟ قال: أنا الشيطان!!

 

فتعجب الأعمى وقال: وما الذي حملك على فعل هذا الخير يا عدو الله؟ فأنت والله لا تفعل خيرًا إلا لتمنع ما هو أكثر منه.

 

قال الشيطان: نعم.. لقد كنت أعلم أن الله يرفعك درجات كلما وقعت وتعثرت في طريقك.. ويحط عنك خطاياك فأردت أن أحرمك من هذا الأجر.

 

وهكذا فأبالسة الإنس كانوا يتظاهرون بفعل بعض الخير ليحرموا الناس من خير أكبر؛ بل فاقت أفعالهم وأساليبهم أفعال أبالسة الجن.. ويتفننون في طرق التحايل على الناس.. ولقد قرأت قديمًا أن إبليس تقابل مع نبي الله يحيى ذات يوم، فسأله يحيى عليه السلام قائلاً: كيف حالكم مع الناس يا أبا مرة (كنية الشيطان)؟ قال إبليس: كنا نعلم الناس طرق الفساد فأصبحنا نتعلم منهم طرق الفساد.

 

ضحك صديقي وقال: لهذه الدرجة فاق أبالسة الإنس أبالسة الجن.

 

قلت له: نعم ولذلك فإنني أظن أن إبليس لو ترشح في أي انتخابات فربما يحقق فوزًا كبيرًا غير متوقع.

 

فقال صديقي: ولهذا فأنا أصر على منع أمثال هؤلاء من دخول الانتخابات أصلاً.

 

فقلت لصديقي: وأنا مصرٌّ على أن يتحمل الناس تبعة اختيارهم مهما كانت النتائج، ولا ينبغي أن نكون أوصياء على أحد، فكيفما تكونوا يُولَّ عليكم، فالكرة الآن في ملعب الشعب.. فليختر الشعب من يمثله وليتحمل مسئولية اختياره وتبعاتها.

 

فقال صديقي: ولكنني ما زلت مصرًّا على موقفي من ضرورة إقصائهم ومنعهم من دخول الانتخابات، مهما كانت أسبابك ومبرراتك.

 

فقلت له: هذا حقك أن تنتصر لرأيك.. ولكنني أيضًا ما زلت مصرًّا على موقفي مهما كانت أسبابك ومبرراتك.. وكما قلت لك من قبل: اختلافنا في الرأي لا يفسد للود قضية.. المهم مصلحة بلادنا.