مهام النائب وأدواره ومؤهلاته وشخصيته واستحقاقاته وطريقة وصوله للمجلس منظومة متكاملة ووحدة واحدة لا يمكن تجزئتها أو تفكيكها؛ فهي مكون صلب لا يمكن إعادة تشكيله بحسب طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة، ومن ثم لا يصلح لمصر الساعية إلى التنمية والنهوض أي من نواب الفساد والإفساد في المرحلة الاستثنائية السابقة من تاريخ مصر في ظل النظام السابق.
كما أن منهج التفكير والاختيار والإعداد والتأهيل للمرشحين من أبناء مصر الشرفاء الراغبين في المشاركة الفاعلة في مشروع بناء مصر الحديثة، لا بد أن يعاد تنظيمه من جديد، على شرط أن تتخلص تمامًا من جميع الأفكار والمفاهيم والمعايير والقواعد التي كانت تدار بها في العهد السابق.
في الماضي كان نائب البرلمان في فكر النظام السابق نائب تأدية خدمات ووقوف واستجداء على باب الوزراء، كما أنه لا يجب أن يفهم شيئًا حتى لا يسأل، كما أنه لا يجب أن يكون مؤهلاً لأنْ يفهم في المستقبل؛ حتى يسير سير القطعان، وينفذ ما يوكل إليه من مهام تنفيذية في أوقات محددة، ولا مانع من نيل فتات ما من كعكة النهب الجارية لممتلكات وموارد الدولة.
في ظل نظام عام للدولة مسروق ومحتكر من قبل بعض الأفراد، جمع السلطات الثلاثة في قبضته وأفقد السلطة التشريعية مهمتها وحوَّلها إلى قطاع تشريعي خاص، كما منع وحرم أي دور رقابي يمكن أن يتم على السلطة التنفيذية للدولة، كما أعاد بناء مفهوم جديد للعلاقة بين مجلس الشعب والسلطة التنفيذية أساسه سياسة (شيِّلني واشيِّكلك أكلني وأكلك)!!.
مما هبط وانحدر بمفهوم نائب الشعب ودوره في عقل الشارع المصري ووجدانه؛ حيث أصبح مفهوم النائب المتميز هو من يجتهد في تقديم أفضل الخدمات الممكنة لأبناء دائرته، ثم هبط أكثر من ذلك إلى أنه النائب الذي يتلقى مقابلاً أقل لتنفيذ بعض الخدمات المميزة لأبناء دائرته، وهكذا.. إلخ.
مما حدا بالشرفاء الساعين إلى مغالبة النظام وامتلاك شيء من مقاعد البرلمان إلى تغيير بعض أفكار وقواعد الاختيار والترشح والعمل البرلماني؛ حتى يضمنوا تحقيق الممكن المتاح من العمل لخدمة البلاد والعباد.
في الاختيار كان المعيار الحاكم دائمًا هو قدرته على التواصل مع الجماهير وتجميع أكبر قدر من الأصوات، واجتياز معركة الانتخابات، والوصول إلى المقعد، وبعد ذلك الأمر هين في تأهيله لممارسة ما يستطيع داخل البرلمان في ظل نظام مغلق من الأصل، ومحدودة ومحجمة فيه مساحات التفكير والحركة.
ومن ثم ظهرت منظومة مفاهيمية ومعيارية وإجرائية استثنائية جديدة لاختيار النواب المحترمين وترشيحهم وتدريبهم وتأهيلهم وعملهم في صراعهم مع وزراء الحكومة ونوابها، يمكن أن نطلق عليها منظومة أزمة ولدت بطريقة غير طبيعية وفي ظروف استثنائية.
وبعد 25 يناير ذهب النظام الفاسد، ومن ثم يجب أن تذهب معه منظومته المفاهيمية والمعيارية والإجرائية وثقافته بالكامل، لاختيار نواب مجلس الشعب وترشيحهم وتدريبهم وتأهيلهم.
لقد تطهرت الحياة السياسية منهم (جارٍ إتمام بقية عمليات التطهير)، ومن ثم
وجب علينا أن نؤسس لعهد سياسي برلماني جديد يليق باسم مصر وشباب مصر،
ونسأل الله تعالى أن يكون نظامًا برلمانيًّا قويا وفاعلاً، ويقدم نموذجًا وقدوة لكل شعوب العالم وبرلماناته، وأملنا في الله كبير بعونه وولايته ثم بتكاتف جهودنا، فهي مصر التي حباها الله تعالى دوما وقال عنها: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99)) (يوسف)، ثم في شعب مصير الأصيل الواعد الولاَّد دائما للمواهب والكفاءات في كل المجالات.
نحو برلمان مصري حقيقي
يمثل رافعة أساسية للتنمية والنهوض التشريعي والتنفيذي لمصر- تتباين مهام نواب الشعب وأدوارهم في المجالس النيابية المختلفة (مجلس الشعب، المجالس المحلية للمحافظات والمدن والإحياء) بحسب طبيعة المجتمع ومستواه الذي تعيش فيه؛ حيث تعتبر هذه المجالس وليدًا شرعيًّا للمجتمع الذي تعيش فيه، فإن كان مجتمعًا مهترئًا يسود فيه الفساد وتسير فيه سفينة الدولة إلى حيث المصلحة الخاصة للنظام وأعوانه كان هذا الوليد المجتمعي موظفًا وعميلاً وخادمًا لهذا النظام، وإن كان نظامًا ديمقراطيًّا شفافًا يسير بسفينة الدولة لغاية شريفة معلومة هي المصلحة العليا للوطن، بخطط وأهداف ومشروعات وبرامج محددة كان نواب الشعب فيه هم الساهرون على آلته التشريعية والتنفيذية، كما أنهم حلقة الوصل والتواصل الدائم الفاعل بين الدولة وأجهزتها وكذلك المحافظات والمدن والأحياء والشوارع وأفراد الشعب المصري، اللازمة لضمان جودة سير سفينة الدولة وسرعتها نحو هدفها، ومن ثم تتلخص مهام النواب في مجتمعات التنمية والنهوض في خمسة محاور أساسية، هي:
1ـ الرقابة على الأداء الحكومي ومدى جودته وفاعليته في تنفيذ خطة الحكومة والوصول إلى أهداف المرحلة.
2ـ المشاركة الفاعلة في إدارة عجلة الآلة التشريعية للدولة (تطوير، إلغاء، استحداث)؛ لضمان ضبط جهود التنمية وترشيدها في جميع مجالات حياة المجتمع.
3ـ حلقة اتصال وتواصل مزدوجة بين الحكومة وجماهير الشعب بالشمول والسرعة الكافية؛ لضمان تفاهم الحكومة وتعاونها- وكذلك الجماهير-؛ لتحقيق خطة الدولة
4ـ تحفيز جهود المجتمع المدني ورعايتها؛ للتعاون مع الحكومة في تحقيق خطة الدولة.
5ـ المشاركة بالتفكير والتخطيط والتنفيذ في دعم الدور الإقليمي والعالمي للدولة بما يخدم مصالحها العليا وأمنها القومي.
ومن ثم تتعدد مجالات عمل النواب بحيث تشمل:
* المجال الرقابي على المؤسسات التنفيذية للدولة؛ خاصة في قطاع دائرته.
* المجال التشريعي والقانوني.
* مجال التفكير وإنتاج الأفكار التطويرية في جميع مجالات المجتمع.
* المجال التنظيمي والإداري لحشد الجهود الشعبية المختلفة وتنظيمها؛
مما يتطلب معه استحقاقات نوعية خاصة يمكن إجمالها في المحاور التالية:
- الاستحقاق الأول: الإلمام الجيد بالدستور المصري وجميع القوانين العامة المنظمة لعمل الجهات التنفيذية وإدارة الشأن العام.
- الاستحقاق الثاني: الإلمام الجيد بأسس ومناهج التفكير والتخطيط والاستشراف الإستراتيجي وإدارة العصف االذهني وإنتاج الأفكار والحلول والبدائل المتنوعة.
- الاستحقاق الثالث: الاتصال المستمر بالواقع المجتمعي، وامتلاك آليات عملية للرصد والإحصاء والتحليل في كل ما يتعلق بالشن العام.
- الاستحقاق الرابع: قوة أخلاقية ونفسية عالية تمنحه القوة والقدرة على مراقبة ومساءلة الجهات والقيادات التنفيذية المسئولة.
- الاستحقاق الخامس: قدر جيد من الذكاء العاطفي والاجتماعي والإداري يمنحه الكاريزما الاجتماعية والقيادية اللازمة لإقناع الجماهير.
- الاستحقاق السادس: قدر جيد من مجامع علم السياسية والاقتصاد (فلسفة التاريخ + النظريات السياسية والاقتصادية + الجغرافيا السياسية + التحليل السياسي) بما يمنحه القدرة الجيدة على فهم ما يدور محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا والمشاركة فيه؛ مما يتطلب منظومة معايير خاصة لاختيار النواب، تستند إلى مجموعة المعايير الخاصة بالمكونات الشخصية الأساسية؛ خاصة الذهنية والنفسية والأخلاقية، وكذلك مجموعة المعايير الخاصة بالثقافة القانونية والسياسة والإدارية، وأيضًا مجموعة المعايير الخاصة بالكاريزما الاجتماعية والسياسية؛ مما يتطلب جودة عمليات التدريب والتأهيل المستمرة؛ لرفع قدراتهم المعرفية والمهارية، وكذلك كفاءة النائب وكفايته للقيام بالمهام الجسام الملقاة على عاتقه، مما يؤكد أن مهمة النائب تكليف ضخم يتبعه هم كبير جدًّا حتى يكاد ينزع النائب من همِّه الخاص إلى الهم العام بالكلية.
ومن ثم يمكننا رسم آلية محددة لمتابعة أداء النواب الجدد وتقييمهم، والتي يجب أن ننشرها بعد ذلك وننقلها من النخب إلى المجتمع ونحوِّلها إلى ثقافة عامة لدى الجماهير؛ حتى نرتقي بفهمها لمهام النائب وأدواره، ومن ثم تتحول إلى معين ومساعد له على أداء دوره بدلاً من أن تكون عنصر ضغط عليه؛ لتحقيق بعض مصالحها الخاصة؛ مما قد يفقده شيئًا من توازنه وقدره وجلاله ومكانته في ممارسة دوره الرقابي على الوزراء ومساءلتهم باسم الشعب الذي يمثله.
وفي التفصيل عظيم الفائدة إن شاء الله.