إخواني في سوريا وخاصة في مدينة حمص الباسلة، أعلم جيدًا أنه لن ينفعكم الكلام، وأنه قد فات أوانه، وأنه في كل لحظة تراق منكم دماء بريئة، وأن الطاغية لم يعد به بقية من عقل أو من إنسانية كي يقدر حجم الجرم الذي يقع فيه كل يوم.

 

أعلم أن أرقامًا تصلنا كل يوم عن ارتقاء عدد من الشهداء الأبرياء منكم، وأنه لم يعد يجدي الكلام، أعلم ويعلم الملايين غيري من أبناء تلك الأمة الإسلامية التي ابتليت طويلاً بحكامها الظالمين مدى ما تعانونه من قهر وظلم ومعاناة وخوف وجوع وبرد ثم التقتيل والإرهاب، وأنه قد فات أوان الكلام.

 

نعلم جميعًا ما يمر بكم نتيجة اختياركم لمطلب الحرية والعدالة والكرامة، نتيجة انتفاضتكم السلمية ضد طاغوت آخر من طواغيت الأمة العربية، وإرهابي ورث عن سلفه ليس الحكم فقط وإنما الجنون وحبه لامتصاص دماء شعبه في سبيل الإبقاء علي كرسي حكم ليس من حقه؛ لأنه لم يأت به أحد من شعبه ولم يختره أحد.

 

نعم مضى وقت الكلام لكن للأسف الشديد فلسنا نملك لكم سوى جامعة هي في الحقيقة جامعة للأنظمة العربية وليست جامعة للشعوب العربية التي اختارت حريتها ونادت بها سلميًّا، في منظومة لم يشهدها تاريخ الإنسانية من قبل، حين تنتفض الشعوب في هبة واحدة بمنتهى الرقي والحضارة لتقول كلمتها سلميًّا، بينما يهدر دمها وتهان كرامتها.

 

لسنا نملك لكم جيوشًا جرارة نعبر بها المفازات للوصول إليكم وإنقاذكم من براثن الطاغية، وعفوًا لأن أمر تلك الجيوش ليس في يدنا بعد، لسنا نملك لكم سوى الدعاء، والوقوف والشجب والاستنكار، ومؤازرتكم بأن نرفع أكفنا إلى الله عزَّ وجلَّ مبتهلين أن يرفع عنكم ما بكم من بلاء، وأن نبشركم بالنصر، فوالله إنه لقريب، فقد بلغ الظلم مداه، والله سبحانه يمدُّ للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

 

انظروا إلى نهاية طاغية آخر ليس بعيدًا عنكم، إنه القذافي الذي فعل مثلما فعل طاغيتكم، وزرع الأرض خوفًا، وحصد هو ما زرع، وقُتل شر قتلة وهو يستجدي قاتليه بألا يقتلوه، وأظهر الله ضعفه وجبنه، وأبشركم بأنكم قريبًا جدًا سوف ترون نفس المشهد في بلادكم ولكن صبرًا فإنما النصر صبر ساعة، وتاريخ بلادكم يشهد بعظمة تلك البلاد وعزتها وعزة أهلها.

 

وإن ذلك الذي تعانونه لن يستمر طويلاً، لكنها سنة الله في الأرض، إنه ثمن لا بد أن ندفعه جميعًا، والحرية لها ثمن غال لن نحصل عليها إلا ببذل الدماء، وصدقوني إن الأمر يستحق، في تونس هرب الطاغية، وفي مصر يحاكم الطاغية، وفي ليبيا يقتل الطاغية، وقريبًا في سوريا واليمن وكل شبر فيه هؤلاء الطغاة سوف تكون النهاية التي يستحقونها، فقط إذا دفعنا الثمن وصبرنا وصمدنا.

 

فالحرية عزيزة ولا توهب أبدًا، والتاريخ خير شاهد على ذلك، إنما تنتزع انتزاعًا ويبذل في سبيلها الغالي والرخيص، وساعتها وحين تذوقون طعمها، وحين تسيرون في بلادكم وأنتم تشعرون إنها بلادكم، وحين تكون الكلمة لكم، وحين يكون لكم حق اختيار من يمثلكم ومن يحكمكم، فستعرفون أن الأمر كان يستحق، وساعتها سيكون فخرًا لكل أسرة بذلت شهيدًا في سبيل حصول الوطن على حريته.

 

ساعتها سيكون وسام شرف على كل مصاب بذل عضوًا من أعضائه في سبيل إعلاء راية الشرف والكرامة، وأبشركم فإن هذه الساعة قد اقتربت، فقط اصبروا واثبتوا وكونوا ضد الطغاة يدًا واحدةً وكلمةً واحدةً، ولا تسمحوا لهم أن يمزقوا وحدتكم، أو أن يفرقوا كلمتكم ففيه ضعفكم وفيه شتاتكم، ولا تخافوهم فهم الضعفاء لا أنتم، وهم الفقراء لا أنتم، وهم لعجزهم قد جن جنونهم فلجئوا إلى الأسلحة الثقيلة لإبادتكم، وهو ضعف وأي ضعف أن تقف للأعزل بسلاح بهذا الحجم، اثبتوا واصبروا والله معكم ولن يتركم أعمالكم.