بعد الشروق انطلقتُ بسيارتي أنا وهو وسرنا على الطريق الدولي السريع..
وقفنا على الكوبري العالي الذي يفصل بين البحر والمدينة من خلفنا، والبحيرة أمامنا فبلدنا الجميل شبه جزيرة.
انطلقت أسراب الصيادين البسطاء تنشد مواطن الرزق الحلال ومراكبهم الصغيرة تملأ المكان.. الشمس تغطي المكان بلون شعاعها الذهبي الخلاب.
وقف يحكي نفس حكاياته القديمة، نفس بطولاته القديمة، نفس غزواته القديمة، خمسين مرة حكاها، خمسين مرة استمعت لها بكل إنصات كأني أسمعها لأول مرة، بل نفس الاستفسارات، نفس التعليقات، نفس القفشات، كان يعرف أنه حكاها لي، وكان يعرف أنني أحبه وهو يحكيها.
ثم تحركنا.. وليطمئن على سير العمل عرجنا على مزرعته بسرعة، ثم عزمته في فندق المدينة أنا وهو، كان صوت أمواج البحر- وهي تتلاطم وتتكسر على الشاطئ- يدوِّي في المكان، لكن كان صوته أعلى وأوضح، كان يحب السمك الكبير المشوي مع السلطات.
فرغنا فقال: الشاي في البيت.
أخذته من الطريق الخلفي للمصيف.
ضحك وقال لي: إلى أين تذهب بي؟؟
قلت له أحب أن تضيع الطرق مني وأنا معك وأحب أن نتوه معًا، ضحك بأسنانه الصناعية الصغيرة الجميلة ناصعة البياض، وضمَّني إلى صدره، فقد كنت أحب هذه الضمة لقد عشت فيها ألف مرة..
كان يضمني بقوة حتى وأنا صغير، نظرت إلى وجهه، صاحب الثمانين عامًا ما زال وجهه الأشقر محمرًا يتدفق دمًا لا يحتاج إلى عصاه ما زال يشرف على مزرعته بنفسه.
وما زال يجهز إفطاره بنفسه!! ما زال يقوم الليل من الثانية صباحًا حتى صلاة الفجر، ما زال يفصل بين المنازعات، ما زال يملأ المكان عطاءً وكرمًا.
- قال لي: يا بني أعلم أنك تركت أهلك يسافرون إلى القاهرة، وجلست معي لتثبت وتبرهن أنني مهم في حياتك، أعرف ذلك يا بني، يا بني.. قلبي عنك راضٍ، ربي عنك راضٍ.
سرحت مع جرس الكلمات الثلاث، كنت أطير في جنة من الراحة والهدوء النفسي الممعن في الطمأنينة، رضا الوالدين من رضا الله، وليت الله يرضى عنا لحظة واحدة.
لما رآني لا أتحدث سألني ما بك؟ قلت له تعرف يا أبي؟!.. إنك لست الأهم في حياتي ثم سكت، لكن وجهه لم يتغير بل زاد إشراقاً وثقةً، فابتسمت.
- قلت: بل حياتي ليس فيها غيرك يا أبي.
كان سريع الدمع مرهف الحس، نزلت دموع الحب وليس الفرح من وجهه.
- قال لي: لو قالوا لي من بعد الرسول والصحابة لقلت هو أنت.
- قلت: وماذا فعلت يا أبي؟!
- قال: لم تفعل شيئًا!!
ما زالت الدموع في عينيه الخضراء التي مالت إلى الزرقاء.
ما زال العطاء يتدفق.
ما زال الحنان والدفء يتدفق.
ضممته أنا بنفس الطريقة التي يضمني بها، أحسست أنه ابني.
- قال لي: يا محمد، قلت له: نعم يا أبي قال: أأنا ابنك؟
يا الله لم أعد أرى الطريق من الدموع، بكيت وبكيت وبكيت قلت له أنت؟!!
- قال: نعم.. أأنا ابنك؟!!
- قلت: أنت سيدي وأبي وأستاذي.. أنت سبب وجودي.. سر نجاحي.. سر سعادتي، وصاحب لفضل علي.
وقفنا نبكي كالأطفال.. سرحت من جديد، تأملته فوجدته هو الذي كان يبدأ بكلام الحب والترحاب كما كان ينعم عليّ بالعطاء والدفء.
هو الذي كان يدعو لي وهو ساجد حتى أخبرني صديقه بذلك.
هو الذي كان يشاورني حتى وإن لم يأخذ برأيي.
هو الذي كان يأخذني لغرفته عندما أعود من سفري، فيكلمني حتى أنام منه فيضمني وأنا صاحب الأربعين عامًا ويغطيني.
لقد كان هؤلاء الناس أصحاب فطرة سليمة وعقل راجح وعطاء دائم لا يتوقف، لقد اشتقت للخروج معه من جديد.
"همسة"...
لأن الحنين يراودنا من حين إلى آخر كان للذكرى هنا مكان "وراودني الحنين" نشرت تحت عنوان (خرجت مع هذا الرجل مرارًا..) وبذكراه صاحبني مرةً أخرى.