جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه أن الإنسان في يافع عمره يكون محملاً بشدة الحماس، وبفرط الحيوية؛ الأمر الذي يولد القابلية للشطط والاندفاع في هذه المرحلة العمرية، وجرت سنته عز وجل كذلك أن الخبرات والمعارف تزداد بمضيِّ الإنسان في عراك الحياة. وتعالى الله في حكمته لم يُكلف الرسول صلى الله عليه وسلم بأعظم وأثقل قيادة عرفتها البشرية، إلا بعد أن اكتملت رجولته وبلغ أشده، لكن الكوكبة التي أحاطت به وعملت تحت إمرته لنشر دعوته كان جُلُّها من الشباب.
لقد شهد صدر الإسلام إفراز العديد من القادة؛ فمنهم قادة دول: كالخلفاء الأربعة، والولاة: كالمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وقادة الجيوش: كأبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، وقادة المعارك: كسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم الكثير.
ونظرًا للقابلية عند الشباب للشطط والاندفاع، علاوةً على عدم اكتمال الخبرات كما تقدم فإن تكليف الشباب بالقيادة انحصر في بعض المشاهد؛ أبرزها تولية رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد- وهو لم يتجاوز العشرين- لجيش فيه كبار المهاجرين وشيوخ الأنصار ليقاتل الروم الذين قتلوا أباه في مؤتة، وأصر على تثبيته بالقيادة الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
استطاع القائد الشاب أن يحقق نصرًا باهرًا على الروم دون أن يفقد أحدًا من رجاله مُظهرًا عبقريةً فذةً في القيادة العسكرية على حداثة سنه، والقلة النسبية للمشاهد التي حضرها، وذلك عمل المَلَكَة مع شدة الاجتهاد والنجابة.
ومن الممكن قراءة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمنا كيف تُستخرج الكفاءات والإبداعات لتفيد الأمة، فإسناد القيادة كان هنا- على غير المألوف- لفتىً، إلا أنه شديد الذكاء، خفيف الروح، ذو صلابة وقوة، لديه ملكات القيادة، وعليه فقد أبدى من الكفاءة ما يصعُب على الكبار، وربما عمد المصطفى أن يقذف بمنتهى الحماس في موقعة بعينها: فالقائد شاب موجَّهٌ على من قتلوا أباه، إلا أنه لم يغِب عن معلم الناس الخير أن يحصن ذلك من الشطط، فقد أرسل معه كبار الصحابة، وهم وإن كانوا تحت إمرته فهم أساتذته ومستشاروه الذين لن يحيد أسامة عن رأيهم ما ذكروه بأمر الله. ومن قبل؛ لم يَرْقَ أسامة ليكون الحِب ابن الحب إلا لرجاحة عقله ونبل نفسه وصدق إيمانه.
وعلى مدار التاريخ الإسلامي لم ينقشع غبار جيش أسامة، فقد تولى إمارة حلب إبان الحروب الصليبية نور الدين محمود الأمير الشاب الزاهد حسن الخلق والخلقة، وذلك بعد قتل الصليبيين لأبيه المجاهد عماد الدين زنكي غدرًا. وقد ضم إليه خير الرجال وأرجحهم عقلاً منهم نجم الدين أيوب والد صلاح الدين الأيوبي وأسد الدين شيريكوه عمه رحمة الله عليهم، الذين كانوا عونًا له بصالح الرأي والمشورة قبل أن يكونوا عونًا بسيوفهم. وألقى الله (سبحانه وتعالى) محبةً على هذا الأمير فالتف الناس حول أميرهم الشاب يبابعونه، يعملون ويقاتلون تحت لوائه. وكان للسياسة الحكيمة فعلٌ رائعٌ في توحيد إمارات الشام لتقاتل الصليبيين.
ومع الحكمة كان البأس الشديد في قتال الصليبيين ودك معاقلهم وتحرير عدد من إمارات الساحل المغتصبة، والتمهيد لتحرير القدس.
ونفحة أخرى من نفحات جيش أسامة، فلقد تولى محمد الفاتح- الذي كتب الله على يديه فتح القسطنطينية- الحكم خلفًا لأبيه السلطان مراد الثاني ليكون سابع سلاطين الدولة العثمانية.
ذلك الشاب ابن الثمانية عشر ربيعًا الذي نشأ في عبادة ربه، وأجل العلماء، وختم القرآن في فترة يسيرة، ورضي عنه شيوخه ومعلموه، وبرع في الفروسية، وتعلم بجانب العلوم الأساسية- من سنة نبوية وفقه- اللغات والرياضيات والفلك والتاريخ.
ولقد بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: "لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"، بلغت فطنة السلطان الشاب أن كان يطوف بجنده قائلاً: دعونا نكن بشارة رسول اللهن وكسليفاتها حماس يلهب حماسًا فلا تعلم أيهم أشد دفعًا وأقوى أثرًا، على أن حماس البشارة كان هو الحاضر هنا مع حماس القيادة. والحصن من الشطط في الجميع واحد: نبل نفس القائد، وقوة دينه، وحكماء يحيطون به، ومن قبل؛ ملكاته ومؤهلاته للقيادة. وعلى مدار ثلاثين عامًا من حكم الفاتح أقام العدل، وأحيا العلم، وجلب العلماء والخبراء حتى من عند بلاد الأعداء، واهتم بالجند وبالصناعة والزراعة والتجارة وبنى المستشفيات. وما العجب؟ أليس بشارة الصادق الأمين؟
بالإمكان التلمس من القطفات التي تقدمت؛ أن القيادة بشكلٍ عام تُسند للرجال والشيوخ دون الشباب، ويتأرجح إسنادها للشباب بين جوازٍ في أحوالٍ ووجوبٍ في أخرى، والأمر مرجعه لما تُمليه كفاءة وأمانة القائد المختار وما يقتضيه الصالح العام.