هذه حقيقة.. ومن قال بغير ذلك ففي قلبه مرض.. بل وفي عينه غشاوة.. مرض خطير أصابنا جميعًا وبلا استثناء.. الجميع تحدث.. وأدلى بدلوه وأفتى، وإن افتقدنا جميعًا أدنى مقومات الكلام والفُتيا؟

 

الأفكار ومصائر الأمم لا يقف عليها إلا العالمون.. فماذا دهانا؟ هل هي عدوى أصابتنا، ومتى  يكون الصمت من ذهب؟.. وأين نحن من قوله تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).. هؤلاء الذين نزلت عليهم السكينة وأمطرت السماء على ألسنتهم  فيض الكلام.. غاب عنهم أن الكلمة أمانة بل ومسئولية، ومن قال لا أدري فقد أفتى، ويا لها من فتوى.. المرحلة التي نحياها تحتاج منا جميعًا أن نتكلم قليلاً وأن نعمل كثيرًا، ففي السياسة تراهم يتقولون فهم من أبصروا كل المخاطر ورصدوا ما هو قادم وبيدهم دون غيرهم مقاليد الأمور وخزائن الأسرار، وفي الدين تجرءوا وتمادوا.

 

وقد كان السلف الصالح يتحرجون من الإفتاء وإن امتلكوا غزارة العلم وزمام الحكمة .. والبرهان الإمام مالك رضي الله تعالى عننه وأرضاه وقد قيل فيه: (لا يُفتى ومالك في المدينة) وفي الاقتصاد بشرونا أن السماء حتمًا ستُمطر ذهبًا وأننا إلى عالم الرغد والزخارف ذاهبون ذاهبون.. قالها سمير رضوان، ومن بعده حازم الببلاوي وسبقهما غير المأسوف عليه بطرس غالي، وبئس ماقالوا؟!

 

فلا السماء أمطرت ذهبًا ولا الأرض أينعت.. بل نعت؟ وفي كل المناحي يطلقون العنان لخيالهم.. ويتحدثون دون خجل ودون مراعاة لمشاعرالبسطاء  والمهموميين والمكدوحين.. وزيادة على ذلك فهم زبائن دائمون عل كل الفضائيات وما أكثرها، يمطروننا بنظرياتهم التي لا أصل لها والتي  لا تزيدنا إلا قهرًا وهمًا، وتراهم يدبجون القصائد والقوافي لأفكارهم التي كانت مطاردة، كما قالوا ومجهوداتهم التي كانت مُحبطة؛ فأصبحت بين عشية وضحاها، مشاريع حيوية لدساتير يجهلها من بيدهم مقاليد الأمور، ويرمونها وراء ظهورهم.

 

ويا أهل الذكر والاختصاص.. تقدموا فقد انتهى عصر الانزواء.. ويا من تجهلون كل شيء  تراجعوا وكفانا ما تقولتموه ، فقد فاض الكيل  وبلغ السيل الزبى، وإن لم تفعلوا فقل على الدنيا السلام، ويا مصرنا الحبيبة لك الله بعدما تحدث في أمرك الإنصاف ومن يعبدون الله على حرف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

-----------

* وكيل مديرية أوقاف الدقهلية.