قبل الثورة المصرية المباركة بفترة طويلة تعالت صيحات كثيرة من جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم للدعوة إلى التغيير والإصلاح، آملةً أن ينجلي هذا الليل الطويل الذي غطَّى الأرض كلها بالظلم وحكم الظالمين، وآملةً كذلك أن نرى نور فجر الإسلام يبزغ من هنا، من مصر الحبيبة، التي تحوي خير أجناد الأرض، ودفع الثمن جند من جندها، من حياتهم وراحتهم وراحة أبنائهم ومستقبلهم؛ في معتقلات ومحاكم عسكرية ومطاردات أمنية ومحاربة في الأرزاق، إلى أن انتفض الشعب المصري عن بكرة أبيه، حين استفحل أمر الظلم، حتى هانت على الناس الحياة والأرواح، وسقطت رءوس الفتن، وأسقط الشعب الطاغية الذي طالما سامه أنواع العذاب، من مرض وفقر وتجهيل متعمَّد لصالح كلّ من هو عدوٌّ لهذا الوطن.

 

انتصرت إرادة الشعب وأسقط رمز الفساد الأول، لكنْ للأسف الشديد طول المدة الانتقالية أعطى الفرصة لأعداء الشعب أن ينظِّموا صفوفهم من جديد، وعدم التصدي لهم بحزم وحسم، وعدم اجتثاثهم من البداية، وتطهير البلاد منهم ومن مؤامراتهم؛ جعلهم يتمادون فيما يفعلون، بل ويجعل آخرين يتجرءون على إتيان نفس الفعل، وذلك لمن يدفع لهم حفنةً من الجنيهات أو الدولارات، وكل يوم يخرج علينا منهم بفكرة تشتّت الآراء وتقلق البلاد والعباد، بعد أن يهدأ الأمر، وتستقيم نسبيًّا الأمور، ونرى في الأفق نور الاستقرار في ظل الاستعداد لانتخابات حرة نزيهة، تنتج عنها مؤسسات رسمية نابعة من الإرادة الشعبية الخالصة، تقوم على سياسة أمر هذا الشعب وإدارة مصالحه؛ فمن دعاوى الدستور أولاً، مرورًا بما يحاولون إشعاله من فتن بين ذراعي الأمة: المسلمين والأقباط، وانتهاءً بالدعوة الأخيرة للدكتور علي السلمي؛ الذي يريد أن يخرج بها بفتنة جديدة تعطِّل فيها دور أهم مؤسسة دستورية ننتظرها بعد الانتخابات، وهي مجلس الشعب، وكأن الشعب المصري لم يقم بثورة بذل فيها دماء خيرة أبنائه في سبيل الحصول على أغلى ما يتمناه شعب، وهو أن يملك كلمته التي دفع ثمنها غاليًا.

 

ويحسب من يحسب أنه بدعوى من هنا أو بصيحة من هناك يمكن أن يقوض إرادة تلك الأمة أو أن يوهم شعبها بما ليس في صالحهم؛ لاكتساب مغنم قريب أو بعيد، أو خوف مفتعل ومبالغ فيه من هوية إسلامية هي أصل هوية هذا الشعب، وإن أبى من أبى، ويجب أن يتعلم الشعب من أخطائه، وألا نسلم الأمر دون متابعة ومحاسبة لمسئول، أيًّا كان حجم من يتحدث، ولنعد من جديد إلى الشوارع والميادين إذا لزم الأمر لنقوم على حماية تلك الثورة المباركة، ولنبدأ من جديد ولتكن دعوة للإصلاح والتغيير كما بدأنا؛ حمايةً لبلادنا وإنصافًا لشهدائنا.

 

يقول  تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: 117)، ويفسر الشهيد سيد قطب رحمه الله في "الظلال"، فيقول: "وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم؛ فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله في صورة من صوره فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون ويفسد فيها المفسدون فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد؛ فإن سنة الله تحق عليها؛ إما بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال والاختلال، فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين".

 

تلك هي سنة الله في الأرض، إما أن نقف لهؤلاء بكل السبل للأخذ على أيديهم لحماية السفينة من الغرق، وإما أن تغرق بكل من فيها، فلنعد إلى الشوارع والميادين كي ننقذ ثورتنا المجيدة من كل تلك الدعوات الباطلة التي يخرجون علينا بها كل فترة، فيثيروا الفتن والقلاقل، وقد قال الشعب كلمته، ولن يعود فيها، وقد أزاح رأس الفساد، ولن يستبدل طاغية بديكتاتور آخر، وهو في نفس الوقت قادر على حماية ما قام به وكذلك متمسك بهويته ولن ترجع عقارب الساعة أبدًا إلى الخلف.